صندوق النقد الدولي يصدر آخر تقرير له حول آفاق الاقتصاد العالمي في أكتوبر 2026، ماهي قرائته وتقديراته للاقتصاد التونسي؟
1. معضلة الدين العمومي وخنق الحيز المالي للنمو
الإشكالية المركزية للاقتصاد التونسي هي هيمنة المديونية العمومية المرتفعة التي تتجاوز حاجز 80% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يضع الموازنة العامة تحت ضغط استثنائي. حيث تلتهم خدمة الدين، من أقساط وأصول وفوائد، حصة ضخمة من إيرادات الدولة، مخلفةً « حيراً مالياً » ضيقاً للغاية يحرم الحكومة تدريجياً من القدرة على تمويل الاستثمارات العمومية الضرورية في البنية التحتية والمرافق العمومية. هذا العجز الاستثماري المباشر يفسر استقرار معدلات النمو الاقتصادي في مستويات ضعيفة تدور حول 2.4% لسنة 2026 و2.0% لسنة 2027، وهو نمو هش يعجز عن توليد الثروة الكفيلة بتوسيع القاعدة الضريبية وإعادة إنتاج دورة التنمية
2. تمويل للدولة يزاحم القطاع الخاص ويأزم التوازنات الخارجية وينتج تضخم مالي مرتفع
تتسع تداعيات هذه الأزمة لتلقي بظلالها على القطاع البنكي والسيولة الداخلية، حيث تلجأ الدولة لتمويل عجزها المتراكم عبر إصدار سندات الخزينة المحلية في ظل شح التمويل الخارجي، مما يخلق عملية مزاحمة تقصي القطاع الخاص من الحصول على التمويلات الكفيلة بتطوير أنشطته الإنتاجية. وهو ما يتسبب في ضعف الاستثمار وتآكل القدرة التصديرية واستمرار عجز الحساب الجاري ليبلغ نحو -4.9% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 ويتعمق إلى -5.3% في 2027، مما يضغط بقوة على احتياطيات العملة الصعبة
أما تراجع معدل التضخم الظاهري ليبلغ نحو 5.5% في 2026 (مع توقعات بارتفاعه إلى 6.3% في 2027)، فلا يعكس عافية هيكلية بقدر ما يترجم انكماشاً حاداً في الطلب الداخلي وضعفاً في القدرة الشرائية للمواطن نتيجة تآكل المداخيل وسياسات امتصاص السيولة
3. المقارنة الإقليمية: فشل في كسر قيود المديونية والنمو مقابل نجاح نسبي لدول مشابهة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
تتجلى المفارقة الكبرى في قدرة النماذج الأخرى على إدارة مديونياتها أو كسر حلقة التعطيل. فعلى الرغم من تسجيل مصر والأردن لمستويات مديونية مرتفعة قريبة من تونس أو تتجاوزها، تنجح هاتان الدولتان في تأمين تدفقات مالية ضخمة واستثمارات استراتيجية كبرى تتيح لهما مواصلة الإنفاق الاستثماري وتجاوز شح السيولة
فبينما تبقى تونس رهينة حلقة مفرغة تتقاطع فيها المديونية والجمود الاستثماري وضعف التصدير مما يجعل أي أفق حقيقي للتعافي مرهونا بإصلاحات هيكلية جريئة تكسر هذه القيود المترابطة من جذورها
نجح المغرب في فك الارتباط بين النمو والهشاشة عبر بناء قاعدة تصديرية صلبة تقودها قطاعات ذات قيمة مضافة عالية واستثمارات أجنبية مباشرة محمية بصيغ تمويلية مرنة، مما يضمن له نموا مستداماً يتراوح بين 4.2% و4.5%، مما يوفر له درعاً واقياً لخدمة الدين
أما الجزائر، فتمتلك استثناءً طاقيا يمنحها فائضا خارجيا مريحا ومديونية منخفضة للغاية تعفيها من ضغوط التمويل المعقدة
وقد نجحت كل من مصر والأردن في إدارة العجز بالدعم الإقليمي والدولي)
وتبقى مصر والأردن تعانيان من مستويات مديونية مرتفعة (قريبة من أو تفوق تونس)، ومن ضغوط تضخمية عجز خارجي، لكن الفرق الجوهري مع تونس هو قدرتهما على استقطاب تدفقات مالية ضخمة واستثمارات استراتيجية كبرى (مثل الدعم الخليجي أو اتفاقيات التمويل الكبرى)، مما يكسر حلقة « شح السيولة »، ويتيح للحكومات مواصلة الإنفاق الاستثماري رغم ثقل المديونية، بخلاف تونس التي تفتقر لهذه النوافذ التمويلية الواسعة
رضا الشكندالي

