بإعلان نتائج انتخاب المكتب التنفيذي الجديد للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، أُسدل الستار على مؤتمر لم يكن مجرد محطة انتخابية لتجديد المكتب التنفيذي ، بل كان فضاءً لتقاطع المقاربات وتباين البرامح وتنافس الرؤى، وكشف بعض الكواليس التي خرجت إلى العلن، فيما ظلّ بعضها الآخر طيّ الكتمان
وبانتهاء الاستحقاق الانتخابي، تفتح صفحة جديدة، عنوانها الأبرز الانتقال من التنافس إلى مقتضيات العمل والمسؤولية، ومن وعود البرامج إلى اختبار القدرة على الإنجاز
يدرك أعضاء المكتب التنفيذي الجديد أن المرحلة استثنائية بكل المقاييس، وأن إدارة شؤون النقابة في هذا الظرف تقتضي أكثر من مجرد تسيير يومي للملفات. إنها تتطلب، في المقام الأول، الحفاظ على وحدة القطاع الصحفي وصون الحد الأدنى من التوافق حول القضايا التي تتحاوز الخلافات الانتخابية والحسابات الضيقة، وفي مقدمتها الدفاع عن الحريات الصحفية، والعمل من أجل الإفراج عن الزملاء المسجونين، والتصدي لتدهور الأوضاع الاجتماعية والمهنية للصحفيين، بما يضمن كرامتهم ويحفظ حقوقهم ويصون استقلاليتهم
لم تكن هذه العناوين غائبة عن أشغال المؤتمر،فقد حضرت في الكلمات الافتتاحية وفي مداخلات المترشحين، وفي النقاشات العامة، كما كانت موضوعا لتبادل الآراء في الحلقات التي رافقت الأشغال على هامشها
وحضور هذه القضايا في الخطاب لا يكفي، مهما كانت أهميتها، ما لم يتحول إلى التزامات واضحة، وبرنامج عمل محدد الأولويات، وآليات متابعة وتقييم تتيح للصحفيين قياس ما تحقق ومساءلة من ائتمنوهم على تمثيلهم
هنا يكمن أحد أبرز التحديات المطروحة أمام المكتب الجديد: كيف ينتقل من تشخيص الأزمة إلى معالجتها، ومن إعلان المواقف إلى بناء مسار نضالي ومهني قادر على تحقيق نتائج ملموسة؟
أما التحدي الآخر، فلا يقل أهمية، ويتمثل في استعادة النقابة مكانتها بين الصحفيين، وتعزيز الثقة في دورها بوصفها إطارهم النقابي الجامع والمدافع عن حقوقهم ومصالحهم المهنية
المشروعية الانتخابية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لترسيخ هذه المكانة…إذ تظلّ مشروعية الأداء هي الفيصل في علاقة النقابة بقواعدها، وفي قدرتها على استعادة ثقة من ابتعدوا عنها، وإقناع المترددين بجدوى الانخراط في عملها، وتأكيد أنها تتسع لجميع الصحفيين، مهما اختلفت مواقفهم وتوجهاتهم
هذا المسار لا يستقيم من دون شفافية في إدارة الملفات، ووضوح في اتخاذ القرارات، والتزام بما يُعلن من مواقف وتعهدات، فضلا عن تكريس ثقافة الإنصات والتشاركية والمساءلة
النقابة ليست ملكا لمكتبها التنفيذي، ولا امتدادا لقائمة انتخابية، بل هي مكسب جماعي، وقوة تستمدّ فاعليتها من وحدة الصحفيين والتفافهم حولها، ومن قدرتها على التعبير عن انشغالاتهم والدفاع عن حقوقهم دون انتقائية أو إقصاء
انتهى المؤتمر، وانتهت معه معركة الأصوات، لكن معركة الثقة والحقوق والحريات والعمل النقابي الجاد تبدأ الآن… وما سيمنح المكتب التنفيذي الجديد وزنه الحقيقي ليس عدد الأصوات التي حصل عليها أعضاؤه، ولا التوازنات التي أفرزتها صناديق الاقتراع، بل ما سيقدمونه من أداء، وما سيحققونه من مكاسب، وما سيبذلونه من جهد لتوحيد الصف الصحفي حول قضاياه العادلة
المؤتمر لا يُقاس فقط بما أفرز من نتائج، بل بما ستصنعه هذه النتائج من فارق في واقع الصحفيين ومستقبل مهنتهم
نورالدين المباركي

