مدرسة التنوير والتجديد التونسية… باحثات ينتجن معرفة دينية حديثة

لم يحتفظ التاريخ في ذاكرته بما يمكّننا من القول الحاسم بشأن موقع النساء في المجال العربي الإسلامي من إنتاج المعرفة الدينية نظرا لتناقض المؤشرات ذات الصلة بالموضوع، فمن جهة نعثر على أسماء نساء كثيرات في كتب التراجم وفي أبواب التراجم الفقهية مثلما ذكر عدد من العلماء أسماء نساء تلقوا عنهن العلم في الفقه والتفسير وعلوم القرآن وعلوم الحديث، ولكن من جهة أخرى لا نعثر على مؤلف ينسب إلى أولئك النسوة إذ يبدو أن التدوين، وهو أحد السلط، كان على امتداد فترات تاريخية طويلة موقوفا على الرجال شأنه شأن سائر أصناف السلطة. وإذا كان لنا أن نفتخر بالمدرسة التنويرية والتجديدية التونسية في مستوى ما أنتجته من أعمال وأعلام فإننا أجدر بالفخر بها من جهة أنها فتحت المجال منذ عشرات السنين أمام النساء ليقتحمن مجال إنتاج معرفة دينية حديثة حتى إنه ليصح الحديث، مرة أخرى، عن بداية ثابتة لتشكّل مدرسة تونسية في هذا المجال. لا شكّ أن للأساتذة المؤسسين للجامعة التونسية دورا مهما في تشجيع الباحثات على طرق كل المواضيع دون تمييز بينهم وبين الباحثين، طالما أن الاختصاص والكفاءة هما اللذان يحددان لمواضيع التي يهتم بها البحث وليس جنس الباحث. بذلك ساهمت تلميذات الأساتذة محمد الطالبي وهشام جعيط وعبد المجيد الشرفي وتوفيق بن عامر وراضي دغفوس وغيرهم في إثراء إنتاج المدرسة التونسية من البحوث في قضايا الدين وتاريخه وتراثه والثقافة الدينية والتاريخ الإسلامي

مثل الرهان التحديثي على الصعيد الثقافي الفكري والرهان المساواتي على الصعيد الاجتماعي أبرز رهانات الإنتاج البحثي النسائي. ويشمل المحور الأول تجديد المعارف الدينية وتجديد المعرفة التاريخية والمعرفة بالتراث أبرز الموضوعات، ومثل التوسل بالمناهج الحديثة من أجل زحزحة الثوابت ومراجعة المسلمات وإخضاع الموروث للعمل النقدي المدخل لكسب هذا الرهان، بينما يشمل الثاني جملة من المواضيع التي تتنزل في إطار البرهنة على حق النساء في المساواة المواطنية وعلى أن المساواة قيمة عليا لا تتعارض مع القيم الدينية ولا مع مقاصد الشريعة الإسلامية ومثلت إعادة قراءة تاريخ النساء ودراسة أوضاعهن عبر تاريخ المجتمعات من جهة وإخضاع أوضاعهن الراهنة للمقاربة السوسوسيولوجية من جهة ثانية الأدوات المنهجية المعتمدة من أجل كسب هذا الرهان كذلك. وقد أنتجت الباحثات التونسيات عددا كبيرا من المؤلفات التي تتنزل في تلك التوجهات، ولئن كان من الصعب الإحاطة في هذا المقال المحدود بكل هذه المؤلفات وإيلاءها ما تستحق من عناية واعتراف فإن البحث عن المشترك بينها، خاصة في مستوى المناظير والمقاربات البحثية، ما ينسجم مع الغاية م هذه السلسلة من المقالات وهي بيان أوجه التجديد التي منحت المدرسة التونسية ما به صارت مدرسة تجديد وتنوير حقا

ولعل أبرز وجوه الاشتراك في مستوى الموضوعات هو دراسة أوجه التعدد والاختلاف التي استبعدها البراديغم السلطوي والذهنية الذكورية اللذين تحكما في الثقافة الدينية والتاريخ الإسلامي واللذين كرسا ما صار سائدا ومعترفا به في حين أقصيا وهمشا المخالف رغم ما قد يكون له من أهمية وما يمكن أن يفتحه من مسالك نحو وعي جديد يقر بالاختلاف ويعترف به ويشيع تبعا لذلك ثقافة العيش المشترك. فالإسلام ثقافة وتاريخا اتسم بالتعدد وما كان يمكن التعرف إلى ذلك التعدد إلا بمقاربة ظواهره تاريخيا وسوسيولوجيا وبإعادة قراءة نصوصه وبالتعريف بأعلامه وجماعاته بعيدا عن كل إقصاء أو تهميش، وقد ساهم مشروع « الإسلام واحدا ومتعددا » الذي أشرف عليه الأستاذ عبد المجيد الشرفي وساهمت فيه جملة من الباحثات كسهام الدبابي وناجية الوريمي وآمال قرامي وكاتبة المقال وجيهان عامر وبلقيس رزيقي، في البرهنة إجرائيا على ذلك التعدد الذي تفرع عن جذر وحدة الإسلام. كما ساهمت أعمال أخرى عديدة في البرهنة على الاختلاف التشريعي الذي اتسم به الفقه الإسلامي وما احتواه من أحكام كثيرة ، اختلافا ينبع من تنوع المجتمعات الإسلامية عبر الزمان والمكان ومن اختلاف طبائع العلاقات الاجتماعية، مما يدعو إلى مراجعة المسلمة التي ترجع كل تلك الأحكام إلى « الشريعة » ويفتح مسلك نحو الوعي بكون الأغلب الأعم منها كان اجتهادات بشرية محكومة بظروف المجتمعات التي نشأت فيها وبطبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة فيها، وتمثل أعمال نايلة السيليني وألفة يوسف وكاتبة المقال أمثلة في هذا المضمار. وقد كان التوسل بالمقاربات السوسيولوجية والأنثروبولوجية في النظر هذه في المدونة الفقهية بمختلف تفريعاتها مناسبة لتطرح عليها أسئلة العصر ومن بينها خاصة سؤال مدى قابليتها للاستمرار راهنا في أداء الوظائف التي أدتها ماضيا في إطار مجتمعات مختلفة اختلافا عميقا عن مجتمعات الماضي، وهو السؤال الذي رافق كل أعلام المدرسة التونسية منذ لحظة تشكلها الأولى منبئا عن استمرارية مجهود التحديث التشريعي الذي ظهرت نتائجه الإجرائية في مختلف القوانين التونسية الحالية. أما ظاهرة الاختلاف الفكري والتعدد المذهبي فإنا مثلت موضوع أعمال أخرى، من بينها أعمال ناجية الوريمي وبحثها خاصة في ثنائية الاختلاف والائتلاف في الثقافة الإسلامية لتعيد إلى دائرة الضوء المهمّش والمقصي من هذه الثقافة في مرحلتها التأسيسيّة، والذي يعطي صورة عن طرافة الاختيارات التي أبدعها الفكر العربي الإسلامي في مرحلة التأسيس. ويكشف من خلال التنبيه إلى المهمّش من المواقف في مواضيع حظيت بالاهتمام ماضيًا وحاضرًا، عن أنّ ما يُحجب من الأفكار ويصادَر لأسباب سلطويّة، قد يكون من الناحية المعرفيّة أهمّ وأنجع لخير الإنسان والمجتمع. أما الاختلاف الجندري الذي حظي بعناية خاصة تجلت في كثير من الأعمال التي اعتنت بتاريخ النساء وأوضاعهن ماضيا وحاضرا وبأعلام النساء وأدوارهن في التاريخ الإسلامي منها على سبيل الذكر « دثريني يا خديجة » لسلوى بلحاج صالح و »امرأة الإجماع » للطيفة لخضر و »زعامة المرأة في الإسلام المبكر بين الخطاب العالم والخطاب الشعبي » لناجية الوريمي و »نساء الخلفاء الأمويين » لبثينة بن حسين
وتظل أعمال آمال قرامي من أبرز ما اعتنى بهذا البعد من أبعاد الاختلاف في الثقافة الإسلامية وهي أعمال رائدة على المستوى العربي في توظيف المنظور الجندري في إعادة قراءة التراث الإسلامي ونصوصه الدينية والفقهية، وكذلك الشأن بالنسبة إلى بعض أعمال رجاء بن سلامة التي جمعت هي الأخرى بين المنظور الجندري والمقاربة التفكيكية سواء في نقد الثوابت أو في تفكيك بنيان الفحولة

ولا يمكن أن نغفل أعمال الباحثات التونسيات في مجال الدراسات التاريخية ، سواء تعلق الأمر بالتاريخ الإسلامي العام أو بتاريخ النساء. وإذا بحثنا في المشترك ين هذه الأعمال كذلك وجدنا أنها قامت على التمييز بين ما هو من التاريخ وحقائقه ووقائعه وما هو من فعل المخيال الديني وتمثلاته التي يختلط فيها التاريخي بالميثي والخرافي والعجائبي والذي أضفى هالة التقديس والأسطرة على الأشخاص والوقائع، وبذلك أرجعتها إلى حقيقتها التاريخية ببيان ما نهضوا به من أدوار في تأسيس الإسلام ودولته، كما هو الشأن في أعمال حياة عمامو عن دور الصحابة في هذا الشأن، وفي أعمال هالة الوردي سوء عن الأيام الأخيرة من حياة الرسول أو عن بعض الصحابة 

إن ما ذكرناه غيض من فيض لا ننكر ما فيه من اختزال وتقصير بحق جيل آخر من الباحثات الشابات يواصلن الدرب نفسه، درب مدرسة التنوير والتحديث التونسية

بقلم زهية جويرو