لا جاء في القرآن ولا في السّنة

تعطّلت يوم 7 جانفي حركة المترو بسبب إضراب فجئي للسواق الذين احتجوا بتعطيل العمل على توقيف زميلهم بعد حادثة تمت عشية يوم الاثنين 3 جانفي وأسفرت عن فقدان شاب مراهق لساقيه ثم وفاته في وقت لاحق. وفي نفس اليوم كان بعض الطلبة مطالبين بالوصول إلى جامعاتهم على الساعة الثامنة فتعطلت الامتحانات بسبب هذا الإضراب الفجئي، وتأخرت الاختبارات في بعض الكليات والمعاهد بساعة وساعتين مسببة بذلك فوضى وتداعيات على الحياة اليومية للطلبة وللمدرسين والعاملين الذين وصل بعضهم إلى مقرات عملهم بشق الأنفس فيما غاب منهم بسبب هذا الإضراب كثيرون

إضراب قطاعي غرضه التدخل في سير القضاء والضغط على العدالة للتحكم في نتيجة الإيقاف وعدم تحميل مسؤولية الحادثة للسائق. ومن جهة ثانية تتحرك داخل الجامعات في هذه الفترة الحرجة من الامتحانات السداسية مجموعات من الطلبة الذين يمتنعون عن إجراء الامتحانات ويصرون على تأجيلها بأسبوع لمزيد من المراجعة والاستعداد. وفيما استجابت بعض المجالس العلمية لهذه المطالب مرغمة تحت سيف التهديد بالمقاطعة والفوضى فإن مجالس علمية أخرى رفضت وأجبرت طلبتها على الانصياع للروزنامة المعلن عنها مسبقا فنتج عن ذلك انشقاق الطلبة بين من أجروا امتحاناتهم وأولئك المضربين الذين بسبب ما سينالهم من أصفار قرروا المرور إلى التهديد بإضراب جوع مفتوح تحت عنوان النّضال

من السّياسيين المضربين عن الطّعام للتهرّب من المحاسبة إلى الطلبة الذين يهددون بإضراب جوع وحشي لللتهرب من تحمل مسؤولية الإضراب عن الامتحانات، المشهد واحد والعلة واحدة تكمن في محاولات التهرب من كل مسؤولية عن أفعالنا وخياراتنا. يعاني المجتمع التونسي من مظاهر متراكمة سببها العميق عدم تحديد المسؤوليات وتعويمها وتهرب المسؤولين من تبعات المسؤولية

فالمسؤول في مخيالنا الجماعي سلطة ونفوذ وسيارة ويا حبذا استخدام مفرط للسلطة ولكن المسؤولية بمعنى تحمل أعباء وتبعات المسؤولية فلا وكلاّ وهل يعقل أن يتحمّل المرء مسؤولية أفعاله؟ وإذا كانت أمراض المجتمعات وعلاتها تتجلىّ في مؤسساته ونقاباته وعلاقات السلطة فيه فإن ظاهرة التهديد بالموت والإضراب عن العمل وتعطيل مصالح الناس وتعقيد حياتهم اليومية تشير إلى استفحال المرض النفسي والعلل العميقة في قلب مؤسسات وجدت لتكون حلا لا مشكلا كنقابات العمال أو نقابات الطلبة

إن الحياة اليومية للتونسيين تزداد سوء بسبب التخلف التنموي وقصوره وغياب تصورهم لحلول لمشاكلهم اليومية كالنقل والصحة والعناية بالأطفال وغير ذلك ولكن أيضا لا يجب أن نغفل عاملا مهما يتعلق بالقيم ويتمثل في سلوك جماعي منظم في شكل قطاعي وفردي كذلك. إنه الاحتماء بمجموعات الضغط للإفلات من تحمل مسؤولياتنا إزاء أخطائنا أو اختياراتنا أو للجوء إلى هذه المجموعات لافتكاك حقوقنا. إنها ثقافة تعويم المسؤولية: بالقضاء والقدر وبرميها على الظروف وإذا استعصى هذا وذاك بالاستقواء بمجموعة. إن هذا الاستقواء على القانون واستضعاف الآخرين الذين يمسون تحت رحمة خدماتنا يذكرنا بباندية الأحياء الشعبية ، مع العلم أن « باندية » الأحياء الشعبية « الأصلاء » لا يستقوون على الضعفاء ولا يعيقون حياة الأبرياء ولا يستخدمون الضحايا لتحقيق أغراضهم وهم يواجهون الخصوم بقيم الفتوة و »الرّجلة » الجاهلية العريقة وما أبعدنا اليوم في حياتنا اليومية التونسية عن قيم « الرّجلة » وعن قيم الدين وعن قيم الحداثة ، فمهما قلبنا الحال وجدنا سلوك الاستقواء على المواطنين البسطاء وسلوك التهديد بالموت لفرض التهرب من العدالة. وإن هذه الظاهرة لا جاءت في قرآن ولا سنة ولا ذكرت في شعر الجاهليين ولا فلسفة الحداثيين، ولا هي من وصايا حشّاد ولا لينين، إنّها علة تحوّل حياة التونسيين إلى جحيم

بقلم زينب التوجاني