المشكلة ليست في القبطان، بل في القانون الأساسي : لماذا أخفق البنك المركزي التونسي على كل الواجهات؟

1. عندما تتحول السياسة النقدية من أداة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي إلى قيد يكبل عجلة الإنتاج، يصبح لزاماً علينا قراءة المشهد بعمق بعيداً عن السطحية والشعارات. فالمسار الاقتصادي التونسي اليوم يعاني من مفارقة عجيبة: محاربة التضخم بأدوات تزيد في اشتعاله، وتجفيف الاقتصاد من السيولة للازمة للاستثمار والعملة الصعبة لاستقرار الدينار بدعوى حماية الاقتصاد الوطني

2. وهم السياسة النقدية الحذرة: يلجأ عادة البنك المركزي إلى الترفيع في نسبة الفائدة المديرية لكبح جماح التضخم المالي ويعتبر أن مصدر هذا التضخم هو شطط في الاستهلاك والذي يولّد فائضا في الطلب. لكن في السياق التونسي، السوق المالية ضعيفة جداً ولا تستقطب المحافظ النقدية الساخنة كما يحدث في الاقتصادات الكبرى (كالولايات المتحدة أو أوروبا). فالترفيع في الفائدة لا يجلب أي أموال أجنبية ولا ينعش السيولة، بل هو إجراء عقمي يقتصر تأثيره المباشر على زيادة تكلفة تمويل المؤسسات الاقتصادية، مما يخنق الاستثمار الخاص أكثر فأكثر. فمشكلة الأسعار في تونس ليست وليدة « شطط في الاستهلاك » أو فرط سيولة تبرر كبح القروض الاستهلاكية، بل هي أزمة عرض هيكلية ناتجة عن عوائق إدارية وتشريعية تعرقل الاستثمار (ولعل تصنيف تونس في مؤشر الحرية الاقتصادية في المرتبطة 156 عالمياً خير دليل على ذلك). مناخ الاستثمار المنفّر أنتج في تونس نسب نمو ضعيفة جدا وكان السبب الرئيسي لضعف العرض في سوق السلع والجدمات ما أنتج بالضرورة ارتفاعا حادا للأسعار

3. معضلة « التناقض المؤسسي » بين « الكرم الطائي » للدولة مقابل »بخل أشعب » تجاه العائلات والمؤسسات التونسية أو بعبارة أخرى التمويل المباشر للدولة وتشديد الاقراض للعائلات والمؤسسات. فهو يُموّل عجز ميزانية الدولة بضخ السيولة من اليمين، ثم يحاول إطفاء حريق التضخم من اليسار عبر رفع الفائدة على العائلات والمؤسسات التونسية

تتجلى ذروة الإخفاق في تقاطع السياسات عندما يلجأ البنك المركزي إلى التمويل المباشر لخزينة الدولة بمبالغ ضخمة غير مسبوقة قدّرت ب 25 مليار دينار على مدار ثلاث سنوات بصفر فائدة وثلاث سنوات إمهال. فهذه العملية تمثل في جوهرها ضخاً هائلاً للسيولة وتوسيعاً للكتلة النقدية من الباب الخلفي. وهنا يقع التناقض القاتل: البنك المركزي يحاول إطفاء الحريق النقدي باليسار عبر رفع الفائدة، بينما يغذيه باليمين عبر ضخ السيولة غير المقترنة بإنتاج حقيقي. وحين تصطدم هذه الكتلة النقدية باقتصاد مكبل بعوائق بيروقراطية وتشريعية جذرية (يؤكدها تدني ترتيب تونس في مؤشر الحرية الاقتصادية في المركز 156 عالمياً)، فإن النتيجة الحتمية هي نسبة نمو ضعيفة وتوازنات ماكرواقتصادية مختلة

4. سياسة الصرف والضغط على الواردات: خنق الإنتاج بحجة حماية الاحتياطي من العملة الصعبة

يتبع البنك المركزي سياسة سعر الصرف المرنة والموجهة، حيث لا يتدخل لتثبيت سعر الصرف بشكل مطلق، بل يترك الدينار يتأثر بقوانين العرض والطلب في السوق الداخلية للعملات بهدف الحفاظ على التنافسية الخارجية للاقتصاد التونسي وذلك بالضغط على الواردات، مع التدخل فقط للحد من التقلبات الحادة المفاجئة وهو ما يجعل الدينار التونسي هشا أمام العملات الأجنبية في صورة تراجع المدخرات من العملة الصعبة بصورة ملحوظة.
لكن في اقتصاد مثل الاقتصاد التونسي، الاستيراد ليس رفاهية استهلاكية، بل هو عصب الإنتاج؛ إذ نورد المواد الأولية، نصف المصنعة، ومواد التجهيز لعدم توفر بديل محلي لها. فعندما تضغط سياسة البنك المركزي على هذه الواردات تتسبب آليا في تراجع الانتاج، فهذه الواردات ضرورية لعملية الانتاج والنتيجة الحتمية إنتاج يتراجع في سوق السلع والخدمات مّا ينجرّ عنه ارتفاع في الأسعار، لأن شح المواد الأولية يعطل المصانع ويقلص العرض المحلي، لترتفع الأسعار بفعل الندرة لا بفعل

5. المشكلة ليست في الربان بل في القانون الأساسي الذي يقود الربان : إن الأداء المخيب للآمال على مختلف الواجهات — سواء في محاربة التضخم، أو الدفاع عن قيمة الدينار، أو تحفيز النمو الاقتصادي — لا ينبغي أبداً أن يُختزل في تقييم شخصي أو يُحمل لشخص محافظ البنك المركزي؛ فالرجل في النهاية ليس سوى « ربّان » محكوم بتنفيذ قواعد صارمة يمليها القانون الأساسي للمؤسسة

لذلك، فإن أي تغيير حقيقي لا يبدأ بتغيير الوجوه، بل بمراجعة جذرية وعميقة لهذا القانون الأساسي، لربط السياسة النقدية بمتطلبات النمو الفعلي. وهو ما يستوجب بالضرورة صياغة مقاربة مزدوجة تدمج بين السياسة النقدية والسياسة الجبائية، وتقوم على تعاون تام ومتوازن بين الحكومة والبنك المركزي في ظل الاستقلالية التامة لكليهما، لا في إطار الخضوع أو التبعية لطرف على حساب الآخر

لأن اليوم، وأمام ضغط عجز الميزانية، تسعى الحكومة لفرض التمويل المباشر بأي ثمن، بينما يجد البنك المركزي نفسه مجبراً على الخضوع لتفادي الصدام، لتكون النتيجة الحتمية واحدة: المواطن التونسي هو من سيدفع الفاتورة باهظةً من قوته اليومي واستقرار عيشه

رضا الشكندالي