إلى راشد الغنوشي: لا يُلْدَغُ المؤمن من الجحر مرّتين

ها قد جلستَ إلى جانب صاحب كتاب « الفتنة الكبرى » ذلك الكتاب الذي وضّح فيه جعيّط أن الخلفاء الرّاشدين كانوا أيضا كبقيّة البشر

زينب التوجاني

يتصارعون حول السّلطة، وأن النبيّ محمد كان أيضا ككلّ البشر الذي خلقهم الله مفتقرين إلى الكمال يستخدمون العقل والحيلة للوصول إلى غاياتهم فما بالك أنت الذي تزعم أنك مرشدنا إلى الأمة الفاضلة والنجاة من النّار !!! وهكذا فإنك يا غنوشي يا من اعتقد بأن الله اصطفاه إلى جانب الخلفاء الراشدين والتابعين والنبيين رسولا إلى التونسيين يهديهم إلى سواء السبيل جلستَ مطأطأ الرأس تنظر إلى كتاب أعجمي قد لا تكون قادرا على فك حروفه وإن فككتها فيلزمك أن تولد ثانية لتستطيع أن تفهم أن الحداثة والدين قد يجتمعان ولكنهما إذا اجتمعا يا سيدي رئيس البرلمان فإنهما يغيّبانك حتما أنت وفكرك الذي دعوت إليه ولا زلت تخفيه تحت كسوتك الإفرنجيّة ونظرتك التي انكسرت على مرايا الكتب التي تمسكها بين يديك

وما أشبه اليوم بالبارحة، فقد تذكّرت صورة لك وأنت تمسك بكتاب شكري المبخوت « تاريخ التكفير في تونس » بمعرض الكتاب سنة 2019 وقد كانت مركّبة: صورتَك على غلاف الكتاب وصورتَك وأنت تمسك الكتابَ، فتضاعفتَ: غنوشي يمسك بغنوشي وشتان بين الصورتين: الأولى تخصّك وحدك: شخصك الكريم والثانية تخصّنا جميعا: غنوشي الداعية الذي تورط في نشر فكر التكفير في تونس منذ حارب بورقيبة ونازعه التحديث وقيم التحديث بما استجلبته من السودان وأفغانستان ومصر والهند وباكستان وإيران من أفكار الصحوة. وكم تأملت صورتك تلك وصورتك وأنت تمسك كتاب هشام جعيط وأشفقتُ عليكَ وعلى نفسي وعلى البلادِ لما في الصور من مفارقات عظيمة ولما تختزله من آلام ومن صراعات ومن تجاذبات كان سيادتك سببا فيها وكم عانينا من جراء « صحوتك » التي أتت بالسّبات وبالجمود وبالقلق وبالتخلّف وبالعنف ضدّ البنات اللّواتي تسبّبتَ في إقناع آبائهن بضربهن للصلاة وكسر شوكتهن لارتداء الحجاب، هل نسيتَ خُطبك يا سيدي في كلّ مساجد البلاد وفي كلّ المدن الحزينة التي زرتها وفي بيوت « إخوتك » الذين استغليّت جهلهم وعمقت مخاوفهم فتركت فيها بذور العنف والمعاناة لمئات العائلات التي تشردّت على يديكَ فيما قفزتَ من القارب ونجوت بنفسك وابنتك وعائلتك بعيدا تاركا أولئك الضحايا يعانون وحدهم ويلات الاستبداد والقهر والعنف والتعذيب والقمع والضرب والتعنيف والقيم المعادية لكرامة الذوات؟

وتساءلتُ ما الذي تفكّر فيه بالضبط؟ هل تشعرُ بالنّدم مثلا والحسرة على الوقت الذي ضيّعته وأنت تحارب الأفكار التحديثيّة لأجل أوهام خارج التّاريخ الممكن؟ هل تشعر بالغيظ لأنّ الدنيا أجبرتك أن تلفّ وتدور ثم تمسك بين يديك كتبا لم يتمكّن فكرك العقيم من هزم نورها ونور ما وراءها من العلم والنقد والمعرفة الإنسانية؟ هل قلت بينك وبين نفسك: « هذه آخرة المطاف يا راشد؟ انتهيتَ ممسكا بكتب هؤلاء »؟ أولئك الذين كفّرتهم في أوّل شبابك واعتبرتهم مارقين عن الدين وضالين لأنهم توخوا مناهج علمية وسلكوا مسلك النقد التاريخي ولم يتورطوا في أن يكونوا لعبة بأيدي القوى العالمية التي توظفكم وتوظف الإسلام السياسي عموما لنهب بلداننا وإفشال كل حركة اجتماعية مدارها الكرامة والعلم، فماذا جاء يفعل عندك السفير الفرنسي يا راشد الغنوشي منذ أيام عند الإفطار؟ هل حمله إلى بيتك القرمُ أم شهوة الجلوس إليك أم ماذا؟ ولماذا كلما أمسكت كتابا لمفكّر طأطأت رأسك وبدوت حزينا مهموما متثاقلا متأملا في غلاف الكتاب كالتائه؟

ذهبتَ تتجول في معرض الكتاب لتبرز للناس وجها مدنيا فأمسكت بكتاب يذكّر الناس بأنك من سقيت في بلادهم بذور التكفير فأنبتت اغتيالات لأبرز النّشطاء وللجنود وأنبتت العنف والدمار في كلّ مكان ، وذهبت تزور مفكرا مريضا لتسجّل صورة سياسية لرجل مثقف يهتم بالمفكرين فإذا بك تبدو في الصورة خائفا وجلا وقد أمسكت بكتاب لو قرأته وفهمته لفهمت مقدار المفارقة التي بدت وأنت تتأمله فيما ينظر جعيط لامباليا بك والكتاب معا إلى جهة أخرى من الغرفة

يا راشد الغنوشي أتدري أنك الذي عطّل التّحديث والدّين معا؟ أتدري أنك نشرت عند النّاس نسخة سطحيّة جامدة مقيتة لتديّن مبنيّ على الكراهيّة والخوف من الحداثة وكان يمكن لو لم تُقدَّر علينا وتأتي مدعوما من تنظيمك العالمي وأمواله وشبكاته وقوى نفوذه أن تنتشر نسخة أخرى من إسلام التونسيين البسيط العفوي الذي كان قادرا على مواكبة العصر بكل مرونة ولكنك زرعت التأثيم والتكفير والتخوين والمظلومية وتسببت في سجن الآلاف وتعذيبهم وموتهم وفقدان أرزاقهم فيما لذت بالفرار إلى بلاد الحداثة والتقدم والعلمانية والنور والعلم 

لن نسامحك ولن ننسى ما سبّبته لنا مهما تزيّنت بالمثقّفين ومهما تسوّلت أعتاب أبوابهم ومهما تصوّرت وأنت تتصفح كتبهم ذلك أنه لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين يا سيدي رئيس مجلس النواب الموقّر، وحسبكَ منّا أن لدغتَ آباءنا ب »صحوتك » العقيمة فلن يكونَ لك أن يخلو لك الجوّ فتبيّض صحوتك وتفرّخ لتلدغ أبناءنا من بعدنا..إن الصحوة التونسية الحقيقية آتية لا ريب فيها: صحوة العقل والكرامة والاستقلاليّة

بقلم زينب التوجاني