…هؤلاء اليهود

faiçal baatout tunisie état sans cravateبقلم فيصل البعطوط
كلما اقتربت الانتخابات الموعودة في تونس ارتفعت حرارة السياسيين، وأبدعوا لبعضهم شراكا مستحدثة، وآخرها أزمة اليهود الذين دخلوا إلى الأراضي التونسية على متن رحلة بحرية ضمن مجموعة سياح يعدون بالآلاف لقضاء بضع ساعات. ثم فقط لترحل الباخرة التي جاءت بهم إلى ميناء آخر على ضفاف البحر الأبيض المتوسط… ولأن تسريب الأخبار الإدارية أصبح رياضة شعبية أولى في تونس، تلقفت وسائل الإعلام خبر نزول السياح اليهود في ميناء حلق الوادي، وكأنه يحدث لأول مرة، ومن وسائل الإعلام تلقفه بعض السياسيين وكأنه غزو إسرائيلي لتونس فأقاموا الدنيا ولم يقعدوها على رأسي وزيرة السياحة والوزير المكلف بالأمن، اللذين وجدا نفسيهما مجبرين على الحضور إلى المجلس التأسيسي للرد على تهمة التطبيع مع الكيان الصهيوني
نهاية جلسة المساءلة الصاخبة كان معلوما قبل أن تبدأ… لا سحب ثقة من الحكومة اليافعة ولا هم يحزنون… كل ما في الأمر زوبعة في فنجان، وتسجيل مواقف عنترية لمجموعة من السياسيين الراسبين في سنة أولى حرية. ومن الذين لم يفهموا بعد أن تجارة الثورجية قد بارت، وأن عموم الناس قد ثابت إلى رشدها بعد فورة السنوات العجاف.. لكن لا بأس فالشعار ما زال «لا تيأس.. حاول مرة أخرى».
ولأن المصائب لا تأتي فرادى بل تباعا، فإن الموقف الرافض لزيارة السياح اليهود إلى تونس تزامن في الأسبوع نفسه مع عدد من الحقائق التي أفرغته من مضمونه الفارغ أصلا.. وأولها بوادر ود بين دولة إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وثانيها أن آلاف اليهود كانوا قد حزموا حقائبهم وشدوا الرحال إلى حجهم السنوي في «الغريبة» – جربة. وثالثها أن ملايين اليهود من مختلف الجنسيات قد درجوا على القدوم إلى تونس منذ أعلنت نفسها بلدا سياحيا، ولم يتوقفوا يوما عن ذلك حتى أثناء فترة حكم النهضة بشهادة زعيمها راشد الغنوشي. ورابعها أن اليهودية ديانة معترف بها في تونس، ويدين بها تونسيون يحملون الجنسية وبطاقات الهوية التونسية. أما خامس تلك الحقائق المثبتة والتي لا يتناقش فيها عاقلان ولا يتناطح من أجلها عنزان هي أن كثيرين من أصحاب الصوت العالي الرافض للتطبيع كانوا قبل شهور قليلة يقفون ضد تضمين الدستور التونسي نصا يجرم التطبيع
إذا هي الحسابات السياسية الضيقة لأصحاب الأفق الضيق، ينسون سريعا موقفا ليركبوا على نقيضه لهثا وراء شعبوية لم تعد تجدي نفعا، وعندما أعوزتهم الحيلة هذه المرة سحبوا ورقة اليهود البالية وأثبتوا أنهم يعيشون خارج التاريخ بعد أن أكدوا للناس أنهم كانوا يعيشون خارج الجغرافيا… ولا شيء أكثر بؤسا يمكن أن يحدث لسياسي من أن يجد نفسه خارج الجغرافيا وخارج التاريخ في آن، وهو لا يعلم أصلا بمأساته
من حسن الطالع أنه ما زال على الأرض عاقلون يحافظون على البيئة ويصدون الكوارث الطبيعية عنها. ومن هؤلاء من طلع ليذكر الصيادين «منكودي» الحظ بأن من بين اليهود من لم يبخل عليهم بعلمه وهم يدرسون الطلبة التونسيين والعرب المبتعثين إلى الخارج. من بين هؤلاء اليهود من يديرون مؤسسات مالية دولية معتبرة، هاهم يستجدونهم ليلا نهارا لفك ضائقتهم المالية.. ومن بينهم أيضا من صنع الطائرة والسيارة والمكيف التي لا تستقيم حياة الرافضين من دونها. ولكي يستقيم منطق مساءلة وزيري السياحة والأمن في تونس كان يجب على الذين جروهما للاستجواب أن يتطهروا من كل دنس يهودي، كأن يصلوا إلى مبنى المجلس التأسيسي على ظهر دابة مثلا… هكذا سنفهم وجهة نظرهم
يروى عن أحد ساسة إسرائيل أنه لم يجد خيطا رابطا بين جمل غاضبة ومبهمة كان يطلقها محدثه العربي، لاعتقاده بأن كل مصائب العرب آتية من إسرائيل ومن اليهود. فقال له: «يا صديقي لم يبق لك إلا أن تتهمنا بالوقوف وراء شجار عائلي حدث بين زوجين في قرية عربية نائية!» وهو بالضبط ما حدث هذا الأسبوع في تونس بسبب هؤلاء اليهود

بقلم فيصل البعطوط