مساجد « الضرار » في تونس

للجمعة الثانية على التوالي يتم منع المصلين من أداء صلاة الجمعة في «مسجد سيدي اللخمي» بصفاقس ثاني أكبر المدن التونسية بعد

فيصل البعطوط

فيصل البعطوط

العاصمة. وإذا كانت الجمعة قبل الماضية قد شهدت لغوا ورفع شعارات سياسية في الجامع، ما أبطل
جمعته فإن جمعة الأسبوع المنقضي شهدت حضور الأسلحة البيضاء والغاز المسيل للدموع, فمواجهات مع الأمن وإيقافات على قاعدة قانون المساجد التونسي الذي يجرم معطلي الصلاة
أصل القصة قديم نسبيا، ويعود إلى تعيين وزير الشؤون الدينية لإمام جديد بعد عزل الإمام الشيخ رضا الجوادي من بين أئمة آخرين متهمين عادة بالتشجيع على التشدد الديني، وإذ قبل كثيرهم بأمر الوزير فإن الشيخ الجوادي رأى في ذلك حيفا وظلما وقع عليه، مشددا على أنه إمام «وسطي» ولم يدع يوما لشق عصا الطاعة على السلطة ولا شجع الشباب على تبني الأفكار المتطرفة، لكنه يأبى أن يكون طيعا لسلطة الوزير ومتقيدا بتعليماته، واستفاد الشيخ رضا الجوادي من حالة التجاذب التي تعم مناحي الحياة جميعها في تونس ومن ضعف الدولة، وخصوصا من «شعبيته» لدى عدد من المصلين المسيسين، فقرر مناطحة سلطة الوزير بآلاف من أنصاره، فأصبحوا يجوبون مدينة صفاقس بالمسيرات الغاضبة، ويسدون باب الوزارة بالوقفات الاحتجاجية، إلى أن وصل الأمر إلى تصادم مباشر مع قوات الأمن رغم تحذير وزارة الشؤون الدينية بما مؤداه أن : من كان يعبد رضا الجوادي فقد عزل.. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت
رديف الشيخ رضا الجوادي إمام آخر تم عزله أيضا ويدعى الشيخ البشير بن حسن، وهو لا يقل عن الأول شعبية في «الجامع الكبير» لمدينة مساكن الساحلية، لكنه اضطر إلى الركون للدعة عند أول مواجهة لأنصاره مع السلطات الأمنية، فانزوى في منزله واكتفى بمنشورات على «فيس بوك» يحاول التأكيد فيها على أنه «معتدل» و «وسطي»، بما يطرح السؤال عن الفارق بين الرجلين اللذين وقع عليهما القرار نفسه، وهنا مربط الفرس السياسي
فقد أخذت الحماسة ذات يوم الشيخ البشير بن حسن ليعتلي مسرحا انتخابيا أمسك من فوقه بقبضة المرشح الرئاسي آنذاك محمد المنصف المرزوقي ورفعها إلى السماء في حركة مساندة سياسية لم تكن خافية، وقال فيه كلاما جميلا. هبت ريح السياسة فسقط المرزوقي في تلك الانتخابات، وفكت حركة «النهضة» تحالفها معه لترتبط بالفائز الجديد الباجي قائد السبسي وبحزبه في ائتلاف ما زال يثير الكثير من الحيرة لدى التونسيين، لكن الشيخ رضا الجوادي لم يفعل ما فعله رديفه، بل ناصر حينها حصانا رابحا, فوجد في «النهضة» اليوم نصيرا غير موارب في أغلب الحالات، وهنا يكمن الفرق بين الإمامين المعزولين ومربط الفرس السياسي مجددا
يتحدث المراقبون عن حسابات تهم الانتخابات البلدية المقبلة وما يجب على الأحزاب السياسية من عدة تعدها لها، ويتهم هؤلاء «النهضة» بأنها تريد لنفسها موطئ قدم «أبيض» في المنابر الدينية لـ «اليوم الأسود»، فترد الحركة بأنها طلقت الوصاية على الدين بالثلاث وتبحث عن مصدقين، إلا أن الأهم من ذلك هو تداخل الديني بالسياسي في بلاد لا ضابط للإيقاع فيها، فمقولة «القانون فوق الجميع» -مثلا- تجد نفسها مطاطة ومنكمشة في آن، بنفس قدرة السياسي على التمطط وعلى الانكماش، إذ وجدت حركة «النهضة» أيضا نفسها مضطرة إلى مداهمة المساجد عندما كانت في الحكم، وعندما أعلن يومها أن ذات المساجد أصبحت أوكارا للإرهابيين وللأسلحة، تماما كما كان زين العابدين بن علي يفعل معها فتدينه، ومع أن قضية اليوم مختلفة في حيثياتها، فإن المواربة السياسية وإكراهات الحكم تضغط بقوة أصول الدين
في المحصلة هناك في تونس اليوم انشطار جديد بين من يعتقد جازما بأن ضجة الأئمة المعزولين سياسية بامتياز، وهناك من يرى أنها دينية وأن السياسة تراودها عن نفسها، ثم يستذكر المنشطرون قصة «مساجد الضرار»، كل يوظفها لنفسه، وقد نزل فيها قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ*لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ
والسؤال الحارق اليوم في تونس: من هم الكاذبون؟ ومن هم المفرقون بين المؤمنين؟
على هامش قصة «مسجد الضرار» الذي بناه «أبوعامر الراهب» ليضار به «مسجد قباء»، سئل الشيخ ضياء الدين القدسي: فما حكم المسجد الذي له هذه الصفات أو صفة من هذه الصفات؟
فأجاب: «حكمه هو: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} أي لا تصلّ فيه أبدا. فهذا يدل على حرمة الصلاة فيه، وعند بعض الأئمة: الصلاة فيه باطلة. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدمه وحرقه، فأي مسجد بني لهذه الأسباب أو لأحد منها فهو مسجد الضرار، فلا تجوز الصلاة فيه، ويجب على إمام المسلمين تعطيله، إما بهدم أو تحريق وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له
ثم وصل الشيخ القدسي إلى بيت قصيد الحال مستطردا: «أما إذا بني المسجد بنية التقرب لله تعالى ثم استولت عليه الدولة الكافرة واستعملته لأغراضها ولتثبيت مبدئها، ووضعت له أئمة من علمائها يدعون لها، فلا يسمى هذا المسجد مسجد ضرار ولا يأخذ حكمه ويجوز الصلاة فيه. ولا يجوز الصلاة خلف إمامه. فمثل هذه المساجد لا تسمى مساجد ضرار بل هي مساجد أسيرة في يد الطاغوت يجب على المسلمين العمل لتحريرها من أياديهم
ليقل الشيخ رضا الجوادي إن «جامع اللخمي» أسير لدى الطاغوت والدولة الكافرة (التي تشارك فيها «النهضة»)، وعندها سوف يتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض.. في السياسة أولا وأساسا

بقلم فيصل البعطوط