فنون الدراما في أرض الكنانة

faiçal baatout.journaliste tunisieفيصل البعطوط
لا بد أن القضاء المصري قد استشعر حرجا بالغا دفعه إلى إصدار ذلك البلاغ الذي «يحرم» انتقاد الأحكام القضائية داخليا وخارجيا… ولا بد أن حجم ردود الفعل الدولية الساخطة لم تكن في حسبان من حول أوراق أكثر من خمسمئة نفس بشرية إلى المفتي، حتى إذا كان يحمل صفة «القضاء الشامخ
بدون جنوح في العاطفة، وبدون تزيد ولا تبخيس لما حدث في قضاء مصر هذا الأسبوع، فإن الأمر -في أقل حالاته- هو تماه قضائي مع الجو السياسي المعادي كلية لتنظيم «الإخوان المسلمين»… ومع الاحترام الواجب للقضاء أينما كان فهو ككل المجالات المهنية الأخرى، يطاله الباطل أحيانا من خلفه وأحيانا من أمامه، ما دام الفيصل في الأحكام بشرا… ولو لم يكن الأمر كذلك لما أوجدت عبارة «الحكم النهائي موكول إلى وجدان القاضي» أي إلى ما يستشعره عقله ووجدانه معا من محيطه… بدليل أن القوانين تختلف من محيط إلى آخر، وفي أميركا مثلا من ولاية إلى أخرى
لست على اطلاع واف على نوعية ولا على حيثيات التهم الموجهة إلى 528 متهما من «إخوان المنيا»، لكنني أعلم يقينا أن سياسة العصا الغليظة هي التي تنتهجها سلطات مصر (ما بعد 30 يونيو) تجاه تنظيم الإخوان المسلمين الذي لا شك أنه أمعن في الخطا يوم أخذته العزة بالإثم إبان حكم الرئيس المعزول محمد مرسي… إلا أن ذلك لا يبرر انحياز وجدان القاضي نحو الطرف الرابح –حاليا- في معركة سياسية أشك كثيرا أنها ستنتهي بإحالة أوراق الخاسرين فيها إلى المفتي… أولا لأن أحكام الإعدام التي صدرت يوم الاثنين الماضي ليست الأولى في تاريخ الجماعة الذي بدأ منذ 1928، والذي تخللته عشرات الأحكام بالإعدام الموثقة، تم تنفيذ بعضها فيما أفلت آخرون من حبل المشنقة بسبب أو بآخر… وبالتالي فإن أحكام 2014 لن تنهي الجماعة وإلا لكانت لتعمر 86 سنة بالتمام والكمال
ثانيا من الواضح أن تلك الأحكام لن يجري تنفيذها، ليس فقط لأنه «أغرب حكم في التاريخ الحديث»، كما وصفته أكثر من جهة دولية، وإنما أيضاً لأن إحالة أوراق المحكوم عليهم بالإعدام إلى المفتي في مصر يكاد يكون إجراء روتينيا. وقد سارعت بعض الجهات المصرية إلى التوضيح بأن الحكم ليس باتا، وبأن رأي المفتي استشاري بحت وسوف تعود تلك الأحكام إلى الرجل – القاضي الذي قضى بها ليتمسك بها أو ليتراجع عنها، وأغلب الظن أنه سيتراجع عن أغلبها إن لم يكن عن جميعها
ثالثا – والأهم – أنها أحكام تصدر لتظهر العين الحمراء للنظام المصري، أي لتخيف من يسعى لتعطيل «خارطة طريق المستقبل» التي رسمها الجنرال السيسي كما يراها صالحة لمصر وللمصريين، وذلك ليستتب له أمر تنفيذ بنود الخارطة من دون وجع دماغ… وهو خيار سياسي بامتياز سيتحمل صانعوه مسؤوليتهم حيال فشله تماما كما حيال نجاحه، ومن المستحسن الاستنجاد بمقولة: «أهل مكة أدرى بشعابها» في هذا الباب، حتى إذا كانت الشعاب غدارة في بعض الأحيان…أما الأفضل فهو ترديد شعار الدراما الأشهر «في مصر موش رح تقدر تغمض عينيك
في المحصلة لم ير العالم في «أحكام القرن» إلا أنها تنضح سياسة، رغم ما يمكن للقاضي أن يراه فيها من وجاهة قانونية… فمن الصعب أن يكون هذا الكم الهائل من ردود الفعل المستهجنة في باب خطا الأغلبية . ومن ثمة لا داعي للمبالغة في تأثيم القاضي ومن وراءه، طالما أن الأمر يندرج – منطقا- في إطار لعبة الشد والجذب السياسي، وهي على أشدها في مصر… ففي خضم هذه الأمواج المتلاطمة قد يختفي تكتيك يقضي بإعلاء السقوف لكي يسهل التنازل بعدها، وهو أمر معهود في السياسة، وإثرها يأتي دور الحكمة والحنكة ليخرجا بمصر من مرحلة التجاذب الدامي إلى سيناريو الحوار العاقل بعد أن تنتهي لعبة «حافة الهاوية»، ويتعلم كل من أخطائه، وليعلم الجميع أن أرض الكنانة تتسع للجميع بمن فيهم «من يصرخ أولا ومن يعض على النواجذ»… فليس من باب الصدفة أن تكون مصر أوفر بلاد العرب إنتاجا للقطن وللفنون الدرامية أيضا، وما تقدم وما تأخر هو بعض عناوينهاا

فيصل البعطوط