…عندما يولد في الشرق القمر

saima mzougui journaliste tunisie

بقلم سيماء المزوغي

أهدي هذه الكلمات إلى العزيزة ألفة يوسف

يقول نزار قباني في قصيدة «خبز وحشيش وقمر:«عندما يولد في الشرق القمر.. فالسطوح البيض تغفو ..تحت أكداس الزهر.. يترك الناس الحوانيت ويمضون زمر ..لملاقاة القمر.. يحملون الخبز.. والحاكي..إلى رأس الجبال ..ومعدات الخدر.. ويبيعون..ويشرون..خيال وصور.. ويموتون إذا عاش القمر
لا يمكن أن ندرك معاني هذه الأبيات إلا إذا تعرفنا قليلا عن تاريخ الشرق – هذا الشرق الذي لا نعني به رقعة جغرافية بحدّ ذاتها- وعن الأقمار التي تضيء سماءه المظلمة لتحضّ الناس على المشي في الطرقات النيّرة، ليترك الناس هذه الطرقات الآمنة بعد ذلك لأنهم لا يعرفون عن القمر سوى تشبيهه بوجوه حبيباتهم وبالخيال والخرافة
من لا يعقل أو من لا يعتبر أو من لا يؤمن بالفعل لا يمكنه أن يرى «أقمار الشرق» الخالدة، هذه الأقمار التي كُفّرت وقُتلت وأحرقت كتبها
ابن رشد قمر بزغ فجأة عندما كان للظلام جيوش لا ترى غير تحكيم السيف لمن يحكّم عقله، فكّر وتحدّى وقاوم وكتب ليُكفّر بعد ذلك واحرقت كتبه، واحرقت معها فرصة تاريخية للعرب لولوج أبواب الفكر الإنساني واقتحام الحضارة والعيش في التاريخ ..
«ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم» هكذا تألّم المتنبي كمدا من أمّة تزهو بما يجعلها خاضعة، مطأطئة رأسها سمعا وطاعة لكل ما يزيدها خيالا وشقاء في آن، اتهم بدوره المتنبي بالزندقة
المعرّي هذا الفيلسوف الزاهد، الذي اتخذ العقل دليلا له، حينما ردّد «أيها الغر ان خصصت بعقل فاسأله فكل عقل نبي» أثار غضب «سلطان الفقه» الماسك بالقوّة المادية والمعنوية في عصره، كفُّر واتهم بالزدقة والإلحاد وصار منبوذا، يستهزؤون به ويرمون كتبه
ابن المقفع ألمعيّ ناقد بامتياز، أوصل للعامة خطابا حول السلطة والسياسة على ألسنة الحيوانات ليخاطب الناس بفهمهم وببساطتهم، ولينفض الغبار عن كرامتهم التي جعلها الحاكم جلدا لحذائه، كُفّر وقُتل بأبشع ميتة، إذ وثّق بالحبال ثم انهالت عليه سكين جزاره تقطع لحمه وتلقي بها في النار أمام ناظريه، وقال جملته الشهيرة وهو يقتل : إذا ما مات مثلي مات بموته خلق كثير، وأنت تموت ليس يدري بموتك لا الصغير ولا الكبير
ولماذا ننسى أنّ ابن سينا الطبيب والفيلسوف لقبّه شيوخ عصره بإمام الملحدين؟ لماذا ننسى أنّ التّوحيدي أحرق كتبه وعصارة تفكيره بنفسه قهرا ويأسا من مجتمعه؟ قائلا: «من منح الجهال علما فقد ظلم» لماذا ننسى أنّ إخوان الصّفاء لا يذكرون أسماءهم الحقيقية خوفا من إهدار دمائهم؟
ولماذا ننسى أنّ الطّبري صاحب أشهر كتاب تفسير للقرآن، مات قهرا بعد أن رجموا منزله بالحجارة إلى درجة أنّ باب منزله لم يعد يُفتح بسبب أكوام الحجارة المتراكمة عليه، واتّهم بالكفر والإلحاد بسبب اختلافه مع مذهب الإمام ابن حنبل
كثيرة هي الأمثلة التي لا تحصرها كلمات معدودات، ولا أطنان من الكتب.. وكثيرة هي ماسي «الشرق» التي تتكرر في كل مكان وكل زمان، ففي عصرنا ورث أحفاد الظلاميين مهنة التكفير ولم يخطر ببالهم أن يتدبروا ولو قليلا في أمر هذه الدنيا، مع أنّ ديننا يدفعنا لذلك، ويخاطبنا بـ«لعلّكم تعقلون» وينادينا ربّنا بيا أولي الألباب
وحينما سئل المفكر العربي محمد أركون في مقابلة على قناة تلفزيونية «لماذا تخلَّفت الدول العربية عن الدول الغربية؟» أجاب: لأنَّ ممارسة العقل انحسرت في الدول العربية بينما ازدهرت آفاق الفكر الأوروبي في الدول الأوروبية «، في حين قال المفكّر التونسي هشام جعيّط: «البلدان العربية تسبح في الخيال

لم ينته اضطهاد الفكر وترويع الأحرار المستنيرين فإلى اليوم يُرمى بعض التونسيين بالزندقة والإلحاد ويُهددون بالقتل لأنّهم جاهروا برأي مختلف أو بفكرة جديدة.. إلى اليوم مازال أحفاد ابن رشد يواجهون حارقي الكتب وملجمي الأفكار، لكن من أشعلوا كتب ابن رشد لم يشعلوا إلا فتيل جهلهم وصكّ تخلّفهم وتبعيتهم، لذلك كانوا أكثر ميلا إلى الفتك والحرق والقتل والبطش كانوا يقارعون الحجّة بالسيوف الملطّخة بالدماء المستنيرة
مازال صراع «القمر» و»الحشيش» لم يحسم في أوطاننا بعد ولا نعرف هل ستبقى الأقمار المستنيرة مصدرا من مصادر المعرفة في سماء المشرق أم هل ستغطى برماد الكتب المحروقة ونعيش دهرا آخر في الظلام؟ مرددين ما قاله الشاعر العراقي بدر شاكر السياب : العقم في المزارع.. والموت في الشوارع.. وكل ما نحبه يموت

بقلم سيماء المزوغي

نشر هذا المقال كذلك على جريدة المغرب