على وزن الريشة : عاش الشيخ، عاشت الشيخة، عاشت المشيخة التونسية

التنظيم والاستعراض والبهرجة والضيافة والأضواء هي من متمّمات العروض المشهدية في المؤتمرات والانتخابات السياسية، في الديمقراطيات العريقة وفي

حسن بن عثمان

حسن بن عثمان

الديكتاتوريات الأعرق، على حدّ سواء، وقد نجحت حركة النهضة في « عرسها » الانتخابي نجاحا يليق بقاعة 7 نوفمبر بملعب رادس، وقد سبق لتلك القاعة الرياضية أن احتضنت مؤتمرات حاشدة للحزب الحاكم، التجمّع الديمقراطي الدستوري، قبل انفراط عقده وانقضاء عهده، وحلول النهضة وشيوخها على منصّة العرض
الاستعراض في السياسة مهم جدّا لذلك نسمّيه في تونس « عرسا »، وهو شأنه شأن حفلات الأعراس التقليدية عندنا، لا تهتم إلا بالمظاهر والإبهار وكلام الناس وألسنتهم الذبّاحة، وبعد زوال العرس تغيب السكرة الاحتفالية ويحضر المداينية، الدائنون… لذلك فإن نسبة الطلاق في بلادنا مرتفعة ارتفاع تكاليف الأعراس وما تشهده من استعراض وزيف وغيبوبة جماعية عن رهافة الأعراس في المجتمعات التي تقدّر الحبّ والأسرة وعينها على المستقبل والأبناء

*****************

عرس انتخابي نهضوي تولّى الخلافة فيه الشيخ راشد الغنوشي على رأس الحركة، وبذلك خلّف نفسه بنفسه على حركة نفسه التي كان مؤسّسها، لكي يحقق التخصّص، شعار من شعارات المؤتمر العاشر للجماعة، فالرجل متخصص في رئاسة التنظيم منذ نشأته، بصورة مباشرة أو عن بعد أو من تحت الأرض بعد سطحها، ولذلك فإنه من المنطقي في التخصص النهضوي والخبرة القيادية والمنزلة الزعامتية أن لا نعوّض حصانا رابحا، أثبت طيلة تاريخه أنه يصلح لرئاسة الحركة الأخطر في تونس وكسب مختلف الرهانات، كما هو واضح عند أتباعه ومريديه وأهل بلاطه وكل المراهنين عليه والذين مازالوا يراهنون في الداخل والخارج… وتلك مسألة لا غبار عليها من أغبرة التاريخ العربي الإسلامي والبقاء على كرسي الرئاسة والسلطة إلى آخر رمق

******************

من شعارات ذلك العرس النهضوي العاشر أنه رفع الفصل بين السياسي والدعوي، وذلك شعار غامض ومخاتل ويكاد يكون بلا معنى، مثل قولنا بالفصل بين الجسد والروح، أو بين المعنى والمبنى، أو بين اللسان والفم والأسنان وطريقة النطق، أو بين الشكل والمضمون، فقد كان الوصل الديني بالدنيوي ومازال في صلب نهضة ليست دينية وليست دنيوية، كما كان المضمون في حركة النهضة دعوي في الصميم وسياسي في القشرة والثوب، مثل ربطة العنق والجبّة والعمامة
ومن نتائج الحفل الانتخابي الذي رفع شعار « الفصل » هو إعادة الوصل بـ « انتخاب » الشيخ راشد الغنوشي على رأس التنظيم الذي كان يتستّر بالدّين فصار يتستّر بحقوق الإنسان والوطنية الفائقة، وبشعار المواطنة في انتظار الشغل والكرامة بعدما يشبع الإخوة الجشعين في البلاد التي صارت بحضورهم عجفاء ولا حليب في ضرعها وعرضها وأرضها…
شيخ معهود على رأس حركة النهضة مجدّدا، وذلك هو ما يفسّر المقصود بالفصل عند النهضة، شيخ يتزعّم حركة سياسة، وينهي خطابه الرسمي في الافتتاح، بقوله: أعملوا على مكانتكم، إني عامل… وتلك جملة من آية قرآنية مجتزأة… تأويلها يتطلّب وزنا ثقيلا من الفقه الديني وليس وزن الريشة الخفيف مثل ميزاني في هذه المقالة

****************

الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة مجدّدا ودائما وأبدا وإلى أن يرث الله تونس وما عليها… لقد تمّ الفصل بين الدعوي والسياسي بسلام في مؤتمر النهضة، كما ترون وتسمعون وتقرأون وتتابعون وتتبعون هتافات المحللين والمحرمين في التلفزات من القُدامى والجدد
فقط علينا المحافظة على ما تبقى من عقل التوانسة في هذه البلاد، إذ يبدو أن الحركة لا مشروع لها في البلاد إلا انتهاك ما تبقى من لغة، وإصابة الناس بالجنون وفقدان صوابهم، نساء ورجالا… ما دمنا على هذا الخطيّط من الفصل والوصل

*****************

فيما يخصّني فأنا سعيد للنهضة بشيخها ومسرور بالشيخ للبلاد… فوجهٌ نعرفه ونعرف أداءه الدعوي والسياسي خير من نهضوي لا نعرف ما الذي سيأتي به لنا من عروض نهضوية في هذه البلاد غير الناهضة… وذلك اقتداء منّي برأي الناقد تزيفتان تدوروف حول المدنّس والمقدّس في إدارة الشأن العام، وكيف أن صاحب الخطيئة يصلح للمهمّة أكثر من التقيّ الورع الذي يدّعي القداسة. فالشخص الذي نعرف شوائب تاريخه السياسي وشيبته أفضل من شخص بلا سجلّ وما خطّت يده في الكتاب والأبيض على الأسود…
علما أن لنا مع هذا الشيخ، ذاته، فواتير شخصية وعائلية ووطنية علينا فتحها في عهدته الجديدة على رأس الحركة في مناخ ديمقراطي نرجو أن يتواصل لنتعرّف أكثر على الشيخ في شيخته الديمقراطية المعلنة في بلاد الثورة التي عادت به… وإنّ غدا لناظره لقريب

****************

وفيما يخصّ البلاد نحن على ثقة تامة من ذكاء البلاد وأهلها ومعرفتها في كيفية تحويل الديني إلى دنيوي في أقل من خمس سنوات، والتحيّة موصولة لجماعة الصفر فاصل، الذين أثبتوا أن صفرا فاصلا يسوى ويفوق أغلبية انتخابية كغثاء السيل… مصداقا لقوله تعالى في سورة البقرة: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين

****************

أما فيما يخصّ مناضلي ومناضلات الحركة الإسلامية التونسية مما أفنوا أعمارهم من أجل هذه اللحظة التاريخة… فحسابهم مع شيخهم، وهم أدرى بما أصابهم من مصائب وبما صاروا عليه وإليه، وإلى ماذا انتهى نضالهم ومصابهم وأحلامهم وكوابيسهم
ومع ذلك أعرف أن الغليان في الفكرة النهضوية صار صوته مسموعا، وأن أمور الإسلام السياسي بدأ طعامها وطهوها يستوي على نار حزبية متحزّبة لنيل نصيبهم من غنيمة الحزب السياسي الذي رفع عنهم التقوى وطالبهم بالعمل على مكانتهم، كل على طريقته، شكل من أشكال تحرير المبادرة، وهذه المرّة في استخلاص حقوق ثابتة لدى أهلها، متنازع عليها في البلاد

****************

أسمع أحدهم، الأستاذ عبد الوهاب الهاني، الذي كان من الإسلام السياسي قبل الانسلاخ عليه في المهاجر وتأسيس حزب المجد إبّان الثورة، وقد نشر التدوينة التالية
ـ « فصل السياسي عن الأخلاقي »، هذا الانحدار الخطير الذي نجحت فيه ماكينة وطوابير الحزب الحاكم المُنحَل السابق ونظيرتها من الحزب الحاكم المُتَحَلِّل الحالي، المُدجَّجة بمكاتب التضليل الإعلامي، وأسلحة الشَّيطنة والتَّخوين والدَّمار الأخلاقي الشَّامل، وجحافل « مُثقفي السُّلطة » الجُدد العاملين تحت مبررات وتسميات « مُثقفي سلطة المشروع » (..)، والجيوش الالكترونية الجرَّارة المأجورة بكل أجور الدُّنيا الفانية وعذاب الآخرة.. فجنت الأولى عن الوطن كل الويلات التي شهدناها من انعدام الأخلاق والشقاق والنِّفاق، وتجني الثانية على البلاد من نفس الويلات اللاحقة ما نسال الله معه العفو والعافية واللطف بتونس من مزيد من الانحدار الاخلاقي والقِيَمِي.. ممارسة السياسة بدون أخلاق وبدون أي وازع ديني أو رادع أخلاقي والانحراف الخطير نحو مفيزة الحياة السياسية، بحثا عن المصالح والتمترس الأبدي في السلطة، لا دين لا ملَّة، مظاهر خطيرة تُهَدِّدُ كينونة المجتمع ووجود الدولة.. في حين أنَّ السياسة أخلاق أو لا تكون، فإن « السياسة هي ترتيب شؤوون الناس وإدارتها لتكون أقرب إلى الصَّلاح وأبعد عن الفساد »، فيما كتب ابن القيِّم وأفاد.. فيا ليت قومي يشهدون، ثم يعلمون، ثم يعملون بما يعلمون.. ورحم الله أحمد شوقي: وإذا أصـيبَ الـقومُ في أخلاقِهمْ.. فـأقمْ عـليهم مـأتماً وعـويلا

******************

وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم… لعلّ المشيخة التونسية الديمقراطية الجديدة التي يقودها شيخ بلا صفات الشيوخ ولا مشيخة يصل فيها الديني بالسياسي ولا فصل. شيخ طالما كان يمضي بيانات حزبه قبل الثورة وبعدها بصفة الشيخ… ولا ينطق أتباعه إلا بتلك الصفة مرفوقة بصفة المرشد العام، ورضي الله، من جامع الزيتونة وفلسفة أبي يعرب

******************

جفّت الأقلام وطويت الصحف… فأهلا بكم في المشيخة التونسية الديمقراطية المسلمة التي تؤدي الفرائض الخمسة ولا ترتعد فرائصها من النفاق والترقيع والدمغجة والانحطاط التي يبدو كأنه بلا قاع

بقلم: حسن بن عثمان