!دولة بلا ربطة عنق

faiçal baatout tunisie état sans cravateفيصل البعطوط
يظن البعض أن الاستغناء عن ربطة العنق هو عنوان الانحياز للفقراء
الجيل الذي كبر في الثمانينات وأصبح بمقدوره متابعة نشرة الأخبار بفضول حينها. كان يسأل الكبار بعفوية «لماذا لا نرى مسؤولا إيرانيا واحدا يلبس ربطة عنق؟»… أيامها كانت الثورة الإسلامية الإيرانية في عنفوانها، وكان الجواب حينا «لتجنب التشبه بالغرب» وحينا آخر «لأن رجال الدين هناك يرون فيها شبها بصليب المسيح».. صدقنا وأمنا. لكنها كانت ضربة البداية لارتطامات ذهنية. وقد كنا نرى في الآن نفسه مسلمين من «آل البيت» يلبسون «الكرافتة» بدون حرج.. حتى مضى زمن لكي نبدأ في استيعاب المفارقات وفهمها
لكن الناس إلى يومهم هذا لا يفهمون لماذا كفر عدد من المسؤولين السامين في تونس. وبعض الساسة الذين ظهروا مع «الربيع العربي» بربطة العنق؟ مع أن أغلبهم كانوا يلبسونها ويأخذون بها الصور التذكارية قبل ذلك.. إذاً لا بد أن يكون في الأمر سر يرتقى إلى مرتبة أسرار الدولة
الأمر سيكون هينا إذا توقف عند الكفر بـ «الكارفتة». فقد قال أبوفراس الحمداني
ومن مذهبي حب الديار لأهلها
وللناس فيما يعشقون مذاهب
لكن ذلك فتح بابا للرثاثة في الهندام وفي المظهر العام، ثم حدث ما يشبه تساقط أحجار «الديمينو». إذ سرعان ما انفتح باب آخر لرثاثة الفكر والسلوك السياسي في تونس. أصبح القوم يبكونه ويرثونه في شكل صورة تعود إلى ستينات القرن الماضي تبادلوها بكثافة على المواقع الاجتماعية، وهي تظهر جانبا من جمهور مقابلة كرة قدم في كامل أناقتهم وتحتها تعليق ساخر: جمهور مدرجات الكرة في الستينات أكثر وجاهة من أعضاء المجلس التأسيسي اليوم
هي تعبيرة شعبية عن غبن حقيقي لشعب تربى على أغنية «حسن هندامك يا خويا» للمونلوجيست الراحل محمد المورالي. ثم جاءه «الربيع» ففرح به أيما فرحا طلبا لتحسين الهندام السياسي والفكري والاقتصادي والاجتماعي. فكانت الخيبة حتى الفجيعة التي سحبت من الأرشيف السحيق صورة تقارن بين ملبس جمهور المدرجات في زمن ومظهر نخبة الساسة في زمن لاحق
طبعا للصورة ذاتها بعدها الأول بما تشتهيه العين والنفس من الجمال ومشتقاته. لكنها تشي ببعدها الثاني في اتجاه ما جاء في الحديث الصحيح «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».. إلا أنه عندما يفتقد الناس في ساستهم وفي قادتهم هذين البعدين معا فتلك هي الطامة الكبرى
الآن. وعلى محرار توالي أحداث الخاصة المسفوحة على قارعة العامة. يخيل للرائي في تونس أن هناك فريقين.. واحد متمسك بالأناقة والهيبة، يريد للدولة أن تلبس ربطة العنق.. والآخر يرى أن الصفحة إياها طويت وأن الدولة الآن هي ملك حصري للكافرين بها. لأن الدولة «المكرفتة» كانت تحتقر العامة وتنحاز إلى الخاصة.. والمفارقة أن من بين أصحاب الرأي الثاني من كانوا من الخاصة «المكرفتين». لكنهم حادوا عن القول الشائع: لكل مقام مقال، ولكل زمان رجال» وانحازوا إلى القائل «لكل مقام مقال، وما كل ما يعلم يقال
وما لا يقال هنا لكنه يرى بالعين المجردة هو بساطة العقل السياسي الذي يمكن أن يلامس السذاجة وهو يغرق في الشعبوية شكلا ومضمونا، فيظن مثلا أن الاستغناء عن ربطة العنق هو عنوان الانحياز للفقراء في حين أن الصين تغدق منها على العالم بسعر دولار واحد.. ومع أن المثل يدعو إلى أن «تأكل على مزاجك وأن تلبس على مزاج الناس» فلكل ميوله وأذواقه وأفكاره عندما يكون طيرا طليقا، وليس عندما يكون شخصية عامة يمكن أن تؤثر في العقل الجمعي للشعوب.. لأن القاعدة الاقتصادية التي أشار إليها «غريتشام» في عام 1558 «العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة» تنسحب أيضاً على العديد من المظاهر والنواحي الاجتماعية والحياتية، ولم تعد تقتصر على العملة فقط.. وفي تونس اليوم معركة حقيقية وحاسمة بين عملتين.. وبين شعارين «بالعلم والعمل فرحة الحياة» و «بالرداءة والدجل نفتك بالحياة».. معركة بين من يريدها دولة مهابة وبين من يريدها دولة رثة بلا ربطة عنق

فيصل البعطوط