حل الصرة تلقى خيط

zero troika tunisieبقلم سعد برغل
بعد إتمام المقال نشره وما سيُصاحبه من ضحك وسخرية وشماتة واستهزاء وازدراء واستغراب وتعجُّب ومُزاح ومهاتفات وقهقهات وسريَّةِ لعنات وعلنيَّةِ دعواتٍ، وما سيكون به من همز ولمز ودعاء باسترداد العافية والصحة لعقلي، بعد سلسلة الندوات التي ستعقدها أحزاب الترويكا وستُوجِّه فيها الدعوة إلى الفضائيات المحترمة مثل الجزيرة والزيتونة والقلم والانسان والمتوسط، وبعد أن يهاتف خادم القصر وسيِّده رؤساءَ تحرير الجرائد والدوريات الوطنية جدا نحو الفجر والضمير والمدوِنين الثوريِّين جدا يتقدَّمهم ياسين العياري. وسيشهد المؤتمر أصحاب المواقع الأكثر التصاقا بمشاغل التونسي مثل الصدى نات، يا ما شاء الله، و باب نات، يا تبارك الله

 بعد إتمام هذا المقال ونشره، سينتظر التونسيون، صغيرهم قبل كبيرهم، نشرة الثامنة، وسيُطلُّ عليهم رأس أخضر الشفتين مصحوبا بمترجم الإشارات على يسار الشاشة لن يُتابعه أعشى مثلي، وسيتنحنح ويبتسم ويضحك ويبلع ريقه وتنتفخ وجنتاه وسيُكوِّر قبضه وسيقذفها في وجه آلاف التونسيين المنتظرين على لهفة أخبارا تتباطأ من شفتين خضراوتين، سيمسح المتكلم باسم ذاك نظارته، يسوِّي ربطة عنقه، يضع بعض العطر، طبعا، لا بدَّ من بعض العطر، ومن الضروري ألاَ يكون قويا حتى لا تتأذى التونسيات الحوامل، كما يجب ألاَّ يكون مستوردا، فالشعب قد استأمنه على العملة الصعبة، وهذه موادُّ مكلِف استيرادُها، غامضةٌ مسالك ترويجها، مشكوك في ميولات أصحابها، ولنفترض جدلا، عن حسن نيَّة طبعا، أنَّ صاحب الشركة المستوردة لهذا العطر كان قد زار إسرائيل، وهنا الطامة الكبرى، وتعرفون تبعات التلويح الخفي بالتطبيع و العدو الإسرائيلي ومأساة الأشقاء الفلسطينيين وسيخسر الحزب لا محالة تأييد النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي ، وسينزل أبناء حماس بالضفة بمئات الآلاف من الأعلام السود مندِّدين بتطبيع هذا الناطق باسم ذاك مع عدوِّ الانسانية قاطبة، بدليل أنَّه أطلَّ على التونسيين في نشرة الثامنة ليلا متعطِّرا بعطر استوردته شركة اسبانية من الكيان الإسرائيلي في صفقة برازيلية، وحملته باخرة سويدية، وأرست بمرسيليا، وحمَّله عمَّال سلوفينيون، وختم على الثمن بالعملة الأوروبية الموحدة موظفون من القطب الشمالي، ووصل الناطق هذا باسم ذاك هدية أخويَّة من عامل حديث العهد بالعمل في صفقة العفو التشريعي بعد تبيض سجلِّه المُدوَّن فيه « عنصر خطر، من سائحي سليمان، وعارضي قبلاَّط، ومثقفي بير علي بن خليفة، ورئيس جمعية خيرية تُعنى بأبناء مجاهدات النكاح والمجاهدين التونسيين بسوريا »

بعد إتمام هذا المقال ونشره، سيعرف كلُ القرَّاء وكل صاحب مذياع ببرِّ الهمَّامة، كلّ صاحب تلفاز ببرِّ الفراشيش، وكلُّ داخل لمقهى بالجنوب الغربي، وكل والج حانة بالجنوب الشرقي، وكل مُقتطع تذكرة مترو بالساحل، وكل راكب خلسة مترو الوردية، سيعرفون آلاف الأخبار عن صاحب المقال، سيجتمع مجلس الأمن القومي برئاسة ذاك وبحضور كلِّ أعضائه، ولن يسمح رئيسه بتغيُّب أيِّ عضو ومن سيكون بالمستشفى العسكري استعدادا لإجراء عملية على المثانة عليه أن ينتظر ولو أدى الأمر أن يستعمل واقيا لمنع تسرُّب البول، وما المانع؟ فنحن بلد تحصلنا منذ عهد قريب على مرتبة متقدمة في منع دابر الأمراض و الأوبئة وكان لنا شرف إجراء أوَّل عملية زرع قلب عن بُعد

بعد إتمام المقال ونشره، سيعرف القارئ الكريم أنَّ بالبلاد أناسا على شاكلتي، ذهب منهم العقل بعد الثورة، وبعد الثورة تهيَّأ لهم أن يركبوا السياسة، وعرفوا أنَّ الهذر مؤدٍّ إلى قرطاج، وأنَّ السفه مُبلغ إلى القبَّة وأنَّ الاَّشئ موصل إلى القصبة، ورأوا في المنام أنّهم بقدرة قادر كلَّفتهم الأحلام باقتراح تشكيلية حكومية، وطبعا أمام الضغط الذي مارسه الاتحاد العام التونسي للشغل رضخ صاحب المقال واقترح السيد المناضل عماد دغيج لوزارة الداخلية، وأمام ضغط المجتمع المدني اقترح صاحب المقال الأخ التقي الورع الناسك الزاهد المؤمن العالم النِّحريرعادل العليمي وزيرا للشؤون الدينية، وأمام ضغط البنك الدولي اقترح صاحب المقال الفاضل البشير بن حسين وزيرا للعلاقات الخارجية، أما بقية الحقائب فسيضمُّها صاحب المقال إلى صلاحياته من باب التقشف والضغط على المصاريف

. بعد إتمام المقال ونشره ستقول أنت القارئ  » حِلْ الصُّرَّة تلقى خيط
بقلم سعد برغل