« ثقافة « التسليك

Amel Grami universitaire tunisieبقلم آمال قرامي
كيف يمكن الحديث عن أسس بناء تونس الجديدة بعد «ثورة مجيدة»، والحال أن ثقافة «التسليك» قد ترسخت فى ذهن شرائح من التونسيين وأضحت داء ينخر فى كل المؤسسات؟ وكيف يتسنى إرساء ثقافة المواطنة والفرد بات مقتنعا بأن أقصر السبل المؤدية إلى نيل المراد تتطلب التنازل عن المبادئ والقيم؟

حوّل نظرك صوب المؤسسات التعليمية تجد فئة من المعلمين والأساتذة يتعمدون عدم تفسير الدروس، ويجاهرون بأن الحل يكمن فى الدروس الخصوصية. وكلما واجههم التلاميذ بالمطالبة بالحق فى الدراسة والفهم طردوهم عقابا لهم. وسيان فى ذلك بين ما يجرى داخل المعاهد العمومية والمعاهد النموذجية. والواقع أن «التسليك» استراتيجية تستعملها فئة من «المربين» حتى يحققوا أحلامهم فيتحولون بفضلها إلى أرباب عقارات وسيارات.. ولسان حالهم: سلّك أمورك تحيا

ولئن قل وجود هذه الظاهرة فى المؤسسات الجامعية فإن «ثورة الشباب» ساهمت فى بروز ممارسات جديدة وفرضت معاملات أقل ما يقال فيها أنها ستقضى على مستوى الشهادات العلمية. فالطالب/ة اليوم بات يريد الارتقاء والنجاح، وتحصيل الشهادات دون بذل الجهد والخضوع للتقييم وفق معايير علمية وموضوعية شعاره فى ذلك «سلكها» بالضغط على الأساتذة، والاعتصام أمام المشرفين على الماجستير ومناظرات التبريز، ورفع الصوت عاليا: «النجاح استحقاق يا عصابة السراق». ولئن صمد أغلب الجامعيين محاولين مقاومة الرداءة و«البلطجة» فإن منهم فئة آمنت بتسليك الأمور خوفا أو مجاراة للواقع أو تنصلا من المسئولية.. أو شعار هؤلاء :سلك تأمن

ولا يختلف الأمر فى بقية المؤسسات الأمنية والتجارية والصناعية وغيرها إذ لابد للمرء أن يتزلف للعون أو الموظف، وأن يجامله وإن لزم الأمر أن يترجاه بالدعاء بالخير لوالديه وأجداده حتى يرحمه. أما الذى عرف المسلك السوى فإنه لا يهدر وقته.. ليس أمامه إلا أن يسلك يده فى جيبه: يدفع حتى يسلّك أموره

«التسليك» سلوك يزداد ترسخا يوما بعد آخر لاسيما فى زمن الأزمات. فالمرء بات يتصرف ويسلك كل السبل ليجد المخرج والحل، ويحقق المبتغى وهو تارة المُسلِك وطورا المسَلّك. والتسليك ثقافة راجت فى عديد الأوساط يؤمن بها الرجل والمرأة، ويروج لها المسئول، والعامل والموظف والعاطل عن العمل، الكبير والصغير، ويتباهى بها الجميع، بل إن من الفايسبوكيين من خصص لها صفحة أطلق عليها اسم سلك حالك

والتسليك يقوم على فكرة مفادها الوصول إلى الهدف بأيسر الطرق (التحايل، الغش، النفاق، السرقة، السير فى الاتجاه المعاكس، عدم احترام القوانين…) وبأسرع وقت ممكن دون بذل الجهد والعناء، دون مكابدة وصبر واحترام للقوانين والأعراف. فتلك القيم التى تربت عليها أجيال وأجيال ما عادت تنفع، وما عاد للمسلّكين طاقة على تحمّل التعب والعمل والكدّ

للفساد ألف وجه ووجه.. دأب ناشطو المجتمع المدنى على التشهير بآليات منظومة الفساد وتحليل مقوماتها موجهين أصابع الاتهام إلى الأنظمة السابقة. ولكن آن الأوان أن نعترف بأن ثقافة التسليك باتت تشكل خطرا على العباد والبلاد ويتعيّن مقاومتها. ولئن أعلنت وزارة الداخلية عن تخصيص سلك من الشرطة البلدية لمراقبة احترام قواعد النظافة وحماية المحيط فإننا نذهب إلى أن حملات النظافة لابد أن تصاحبها حملات مماثلة تسير بالتوازى مع تسليك البالوعات: حملات تطهير وتنظيف وغسل للأدمغة وتغيير جذرى للعقليات حتى تفارق الجموع التواكل، والسلبيّة، والتحايل، والانتهازية و

أجل الثورة حدثت ولكن صاحبها تدهور سريع فى منظومة القيم. ولعل أخطر ما فى الأمر أن تدبّ ثقافة التسليك، و«مشّى الأمور» فى جسد المؤسسات التربوية والتعليمية فى سياق تاريخى لم تعتبر فيه الحكومات الانتقالية إصلاح التعليم فى صدارة الأولويات، ولم تصغ سياسة تتجه نحو إيلاء العلوم المكانة الضرورية

إنّ سردية ثورة مدنيّة طلائعية حبلى بقيم حداثية لن تقنع من يُعاين الواقع المرير: انتشار الفكر الخرافى والشعوذة ومأسسة الجهل، وتدهور المنسوب المعرفى…ثقافة التسليك لا يمكن مواجهتها، فى تقديرنا، إلاّ بإرساء ثقافة العلم والعمل، البذل والجهد والكدّ، وتحمّل المسئولية كاملة

ahewar.org/نشر هذا النّص كذلك في
بقلم آمال قرامي