ثالثة الشيخ.. ثابتة

faiçal baatout.journaliste tunisieفيصل البعطوط
أذهل زعيم حركة «النهضة» الشيخ راشد الغنوشي المراقبين في «خرجته» التلفزيونية الثالثة وهو يتحدث بخطاب عقلاني نادر بين سياسيي تونس اليوم. وزاد في «صدمهم» بإنكار أي علاقة له بتنظيم الإخوان المسلمين. قائلا بالحرف:الإخوان المسلمون حركة مصرية وأنا رئيس منتخب لحزب «النهضة» التونسي.. ولا أعلم بوجود التنظيم العالمي
ومنذ ذلك الحين والقوم يغربلون الرمل أمام البحر.. قامت الدنيا ولم تقعد حول الشيخ راشد. بين مادح لـ «براجماتيته واعتداله» وبين مكذب بالوقائع وبالتواريخ العتيقة لما جرى على لسانه مساء الاثنين الماضي
لسنا في محل المجادلة بل ربما الأجدر هو الذهاب إلى استقراء الرسائل التي بعث بها الشيخ راشد ليلتها، وأكثرها تشفيراً أن تنظيم «الإخوان المسلمين» -وهو لا يعيش أبهى حالاته الآن- قد بدا في مراجعات استراتيجية وقرر التخلي عن هيكليته التقليدية والاستعاضة عنها بترك حرية التصرف والحركة محلياً لكل ما يناسب وما لا يناسب الإطار الجغرافي والحضاري في كل بقعة يوجد فيها اتباع لما يسمى اصطلاحاً بـ «الإسلام السياسي».
Khriji Rached-ghannouchi-peut causer une-guerre-totale-en-tunisieوليس سراً أن صديقاً إعلامياً قريباً من هذا الخط، كان قد أخبرني منذ بضعة شهور بمثل هذا القرار. وها أن الشيخ راشد الغنوشي يؤكده اليوم للمرة الثالثة التي حاول خلالها ترسيخ «الموجات الإيجابية» التي بدأ في إطلاقها مرتين قبل ذلك منذ بضعة شهور أيضاً
الأهم من استقراء تلك الرسالة المشفرة هو رغبة الرجل –وقد وطن العزم عليها– في اعتناق نظرية التطور والالتصاق ببيئته المحلية. فتحدث باللهجة التونسية التي لم يكن يركن إليها إلا نادراً، وكأنها مستعصية عليه. وقال بالحرف «نعم.. لسنا حجراً ويشرفنا أن نتطور» في اعتراف علني نادر بأخطاء حكم «الترويكا»، ومن آيات التطور أيضاً أن أصبح الشيخ راشد الغنوشي يستشهد في كلامه بفيلسوف «السببية» وصاحب رائعة «نقد العقل المجرد» في القرن الثامن عشر الألماني «إيمانوال كانط»، فأخذ عنه نظرية «ثقافة التراحم والتجاذب بديلا عن ثقافة التنافر» في باب الحديث عن الوضع في مصر. والكلام للشيخ الذي أراد القول –بلا شك- أنه ليس رهينة للكتب الصفراء، وأنه يعتمد الفلسفة في تحليلاته للظواهر السياسية الحديثة ويستشهد بأعمدتها في عصر التنوير، وما أدراك ما فلاسفة عصر التنوير! لكنه لم يجبنا أين ذهبت نظرية «التدافع الاجتماعي» التي دفعت البلاد والعباد ثمنها غالياً إبان حكم «الترويكا
ومع ذلك فإن الطريق تبدو طويلة أمام صاحب «الإرث الثقيل» لكي يضع حداً لمحاولات التشكيك الكثيرة في نهجه الجديد، ولعله يحتاج في ذلك إلى أكثر وضوح في النقد الذاتي أو «المراجعات» و «السياقات» كما يفضل تسميتها، أما الرسالة التي لا تقل أهمية عن سابقاتها فتكمن في الإيحاء بأن الرجل بصدد التحول من ناقل لفكر إلى ناقد له، ولن يتوقف الشيخ راشد الغنوشي عن إدهاش من حوله بالتأسيس لـ «فلسفة إسلامية» جديدة تنقل الوعي الإسلامي العام من عصور الظلام الفكري إلى عصر التنوير، أو لم نكن مرجعيته ليلتها «إيمانويل كانط» آخر حبة في عنقود الفلاسفة المؤثرين في أوروبا الحديثة ضمن التسلسل الكلاسيكي لنظرية المعرفة.
تابعنا «ثالثة» الشيخ و»الثالثة ثابتة» كما يقول المثل العربي. في انتظار مزيد من التمكين

فيصل البعطوط