! تونس : العيب موش فيه ، العيب فلّي سماه

Hamda-Saayed-mufti tunisiepapier de toilette moncef marzouki بقلم فرج حوار
كان من المفروض أن يُصدر رئيس الجمهوريّة المؤقّت، « صاحب العملة »، أمرا جمهوريّا عاجلا بإيداع السيّد حمدة سعيد، الّذي يضطلع خطأ بمنصب مفتي الجمهوريّة، مستشفى الأمراض العقليّة بمنّوبة بعد التّصريحات « السّورياليّة » ( نقول هذا ونحن نعني في الحقيقة أنّها تصريحات لا يمكن أن تصدر عن عاقل، بغضّ النّظر عن المنصب الّذي يحتلّه معلنها ) الّتي صدرت عن سماحته، ومفادها أنّ غبطته « وكيل » رسول الله (صلعم)، يتلقّلى منه الأوامر بصورة مباشرة، وعليه فهو يمثّل، على حدّ قول جيراننا من الفرنجة، على الضّفّة الأخرى من المتوسّط، « دولة صلب الدّولة »، تتمتّع باستقلاليّة تامّة على جميع المستويّات، وخاصّة المستوى القانوني، باعتبار أنّ سماحته غير ملزم، رغم صفته الرّسميّة الّتي لم يتخلّ عنها إلى حدّ السّاعة، بالامتثال لقوانين الجمهوريّة

وحتّى يتبيّن التّونسيّون جليّة الأمر، قد يكون من الضّروريّ أن نُشير أنّنا إزاء رجل، من أهل القرن الواحد والعشرين، يضطلع بمسؤوليّة خطيرة في دولة من دول العالم المعاصر، يؤكّد أنّه في خدمة نبيّ توفّي في القرن السّابع الميلادي (لأنّه من المعلوم للقاصي والدّاني، باستثناء السّيد حمدة سعيد، أنّ الأنبياء، كسائر خلق الله، يموتون، وهو ما لم يدركه عمر بن الخطّاب في حينه، وشرحه له بأوجز لفظ أبو بكر الصدّيق)، يجزم أنّه يتلقّى منه تعليماته بصورة مباشرة، ويعتقد تبعا لذلك أنّه في حلّ من كلّ التزاماته إزاء دولة مواطنيه، من إنسانيّة القرن الواحد والعشرين، الّذين يدفعون له راتبه آخر كلّ شهر

ونحن لا نشكّ أنّ الهوس، الّذي أصاب فضيلة مفتي جمهوريّة « ثورة الكرامة والحريّة »، وطيد العلاقة بما يسمّيه علماء النّفس بـ « جنون العظمة »، ذلك الّذي يدفع المصابين به إلى اقتراف أبشع أنواع التّجاوزات والجرائم. وليس أدلّ على ذلك من أنّنا لم نسمع أنّ المفتين، في مختلف بقاع العالم الإسلاميّ، ادّعوا، جماعة أو فرادى، أنّهم على صلة مباشرة بشخص النّبيّ عليه السّلام. والحقيقة أنّ هذا « التّجديف » ( وهو ممّا اصطلح الفقهاء على تسميته بالكفر ) المرضيّ لم يصدر عن صحابة الرّسول، ولا عن التّابعين، ولا عن كبار علماء الدّين الّذين تزخر المصنّفات القديمة بتراجمهم، ولا حتّى عن المتأخّرين، وفيهم من يفوق المسمّى حمدة سعيد تحصيلا وعلما ودراية ومكانة

نحن إذن إزاء حالة معزولة ( ولكن ليست من جنس الحالات المعزولة الّتي يُنوّه بها رئيس حركة « النّهضة »، وخاصّة عندما يتعلّق الأمر « بأبنائه » المعتصمين بقمم الشّعانبي ) غاية في الغرابة، خاصّة وأنّ الأدبيّات الدّينيّة والفقهيّة القديمة تدين مثل هذه الادّعاءات، وترمي أصحابها بالتّلبيس، على حدّ قول أبي الفرج بن الجوزي في كتابه « تلبيس إبليس »، أي بالتّاثّر بوسوسة الشّياطين. وكم وددنا لو بادر من يزعمون أنّهم « علماء الدّين » و »حماة الإسلام » و »أنصار الشّريعة » بالرّدّ على هذا الدّعيّ ودحض « أوهامه »، بدلا من أن يوكلوا هذه المهمّة للعلمانيّين من المختصّين في التّاريخ والحضارة الإسلاميّتين

والعلمانيّون ( وأنا واحد منهم، وفخور جدّا بذلك في هذا الزّمن الّذي يفتخر فيه البعض بانتمائهم إلى زمرة « القصّابين والمجرمين والقتلة »! ) على يقين أن لا أحد من كبار رجالات الإسلام ادّعى أنّه يتلقّى « تعليماته » مباشرة من الرّسول، فضلا عن أن يكون نائبه. لم يدّع هذا الأمر كبار صحابة النّبيّ (ومنهم العشرة المبشّرون بالجنّة)، ولم يدّعه كبار فقهاء الإسلام ( مالك بن أنس، وأبو حنيفة، والشّافعي وأحمد بن حنبل، وغيرهم )، ولم يدّع ذلك ملوك المسلمين، وعلى الأخصّ منهم من كانت تضرب بعدله الأمثال، فكيف يدّعي ذلك، على آخر الزّمن، رجل من أغمار النّاس، شاءت الصّدفة – ولا شيء غيرها – أن يتكرّم عليه « رئيس جمهوريّة »، في مكان مّا من المعمورة، بمنصب دينيّ تشريفاتيّ؟

ومن مشهور الأحاديث، المقطوع بصحّتها، ما روي أنّ النّبيّ عليه السّلام قال ما معناه أنّ « على من كذب عليه أن يتبوّأ مقعده من النّار ». وقد كذب المدعوّ حمدة سعيد ( وإن ادّعى أنّه صادق، وأنّ الرّسول الأكرم عيّنه فعلا نائبا له، فما عليه إلاّ أن يُقدّم لنا دليلا يقطع بصحّة ما يزعم، ولن يقدر على ذلك طبعا ) عندما أعلن على أعمدة صحيفة « المصوّر » ما يلي: « أنا نائب رسول الله، ولا أمثّل رئيس الدّولة أو الحكومة أو الوالي ». ومعنى هذا القول أن لا رئيس الدّولة ولا الحكومة ولا الوالي قادرين على « عزل » هذا « الموظّف »، « الفوق-عاديّ » ( anormal ) أو « الفوق-طبيعي » ( surnaturel )، أو – وهو أضعف الإيمان – حمله على الالتزام بحدود وظيفته. ولو حدث وقرّر رئيس الجمهوريّة المؤّقت فعلا أن ينهي مهامّ هذا الرّجل، فإنّ « نائب » رسول الله سيمتنع بالتّأكيد عن تنفيذ هذا القرار وسيستمرّ، رغم أنف الرّئيس والحكومة والوالي، في « نيابة » الرّسول إلى أجل غير مسمّى ، أو إلى حين أن يصدر إليه أمره ( صلعم ) بالتنحّي عن منصبه هذا. وحيث أنّ للمدعوّ حمدة سعيد علاقات خاصّة – أو سريّة ربّما، لا تعني أحدا غيره، ولا يُحاسب عليها غيره – بمنوّبه، فإنّ هذا الأخير هو الوحيد المخوّل بتقرير استمرار أو انتهاء مهامّه السّامية المقدّسة

إنّ السّكوت عن « مسخرة » بهذا الحجم يمثّل تعدّيا صارخا على الإسلام، وعلى نبيّ الإسلام، وعلى تراث الإسلام، وهي كلّها ليست ملكا شخصيّا للمدعوّ حمدة سعيد، وإنّما هي ملك الشّعب التّونسيّ أوّلا، وعامّة المسلمين ثانيا. وهي بعد اعتداء فاضح على تونس، وعلى تاريخها، وعلى نظامها الجمهوريّ، وعلى ثورتها، وعلى من يزعمون اليوم أنّهم القيّمون عليها، وفي مقدّمتهم ذاك الّذي « عمل العملة » ونصّب هذا الدّعيّ « نائبا » للرّسول عليه السّلام! فإن كان فخامة رئيس الجمهوريّة المؤقّت على يقين أنّه لم يعهد لهذا الرّجل بهذه « المهمّة » بالذّات، فليعزله بدون تأخير بسبب امتناعه العلني عن مباشرة عمله كمفت للجمهوريّة، وليس كنائب للرّسول، عليه السّلام. فليس من المعقول إطلاقا أن يقرّر أحد مّأ أن يشتغل طبيبا، ويلتحق بأحد المستشفيات من تلقاء نفسه، والحال أنّه مختصّ في الهندسة العمرانيّة وعيّن مهندسا بأمر إداريّ واضح

والحقيقة أنّنا نجني اليوم الثّمار المرّة للتّجاوزات العقديّة الكثيرة الّتي اقترفت في حقّ الإسلام ممّن يزعمون أنّهم حماته، ومن « الأحزاب »، ذات المرجعيّة الإسلاميّة خاصّة، تلك الّتي احتكرت الإسلام ووظّفته بطريقة مخزية ومهينة لأغراض دنيويّة دنيئة، ومهاترات غيبيّة وهوويّة ما أتى بها الله من سلطان. وأولى هذه الثّمار استقبال رئيس حركة « النّهضة » بالأهزوجة الّتي استقبل بها الرّسول عند حلوله بالمدينة مهاجرا، وقبول هذا الأخير، بعد فترة من ذلك، بالتّرضّي (أو قول عبارة « رضي الله عنه ») عليه، واغتصابه بذلك مكانة لا تجوز لغير صحابة الرّسول الأقربين، وسطوه بعد ذلك على أحداث من السّيرة النّبويّة ( الإفك وفتح مكّة )، واقتداء بعض « أعضاده » به في هذا التّعدّي على الإرث الرّمزي للشّعب التّونسيّ. حدث كلّ هذا، وحدثت أشياء أخرى فلم يعترض على هذه « التّجاوزات » أحد باستثناء بعض منظّمات المجتمع المدنيّ، وما زالت « الجريمة » مستمرّة إلى اليوم، بل لقد ازدادت جرأة ووقاحة عندما أصبح « مالكو » الإسلام وحماته المزعومون، والأطراف الحاكمة المتنفّذة، الّتي تدعمهم عيانا جهارا حرصا على « صلة الرّحم »، يمارسون « القتل » المقدّس خارج حدود البلاد وداخلها 

وعليه، فلا غرابة أن يعلو اليوم صوت « نائب » رسول الله بعد أن كان ضعيفا خافتا لأنّه من عادات « السلفيّين الجهاديّين »، الذّي ينطق سماحة (إن جاز أن ينعت حمدة سعيد بهذه الصّفة الملحقة بوظيفته كمفت) المفتي باسمهم اليوم، أن يركنوا إلى الموادعة في حالة التّراجع وأن يُجاهروا « بالحقّ » إذا تمكّنوا. وقد يكون تصريح فضيلته الأخير هو إعلان عن انتقال الجماعة من حال إلى حال، واستعدادهم « للخروج » على « الطّاغوت » لإزالته واجتثاثه من الأرض. وهذا يعني فعلا أنّ فضيلته هو « الحاكم الفعليّ » للبلاد، وأنّ دولة سماحته الموازية هي أقوى بكثير وأظهر من الدّولة القائمة بجميع مؤسّساتها

والمتمعّن في فحوى كلام « قداسة النّائب » ( وهو نعت لائق لمن قهر قوانين الزّمان والمكان وأتى، في عالم الخوارق والمعجزات، ما لم يأته الأوائل! ) وأبعاده، لا بدّ له أن ينتبه أنّ قداسة حمدة سعيد قام – أو ينوي أن يقوم – بانقلابين اثنين عندما باح بخوالج نفسه. أمّا الانقلاب الأوّل فهو موجّه بوضوح ضدّ أشخاص « الرّئيس » و »الوزير الأوّل » ( المشار إليه بالحكومة ) و »الوالي »، أي ضدّ رموز الجمهوريّة المركزيّين والجهويّين على حدّ السّواء. وهذا الأمر، بقطع النّظر عمّا إذا كان أنجز أو لا يزال في طور الإنجاز، يعتبر من أخطر أنواع الجرائم. أمّا الانقلاب الثّاني فهو موجّه إلى « حلفاء » قداسة « النّائب » الموضوعيّين، وفي مقدّمتهم حركة « النّهضة »، باعتبارها المالك الشّرعي لـ »الإسلام »، والقيّم عليه، والمستغلّ له في السّرّ والعلن، والمؤهّل طبقا لذلك « لخلافة » الرّسول – وليس لنيابته كما يزعم حمدة سعيد  ولتعيين أعوان لها ينهضون بدعوتها إلى حين أن تلتئم ظروف التمكّن فيظهر « الجماعة » ما كانوا له، من باب التقيّة، مبطنين

ولعلّنا سنشهد في لاحق الأيّام ردّا على هذا « الدّعيّ » من أصحاب الشّأن وأهل الحلّ والعقد، خاصّة وأنّهم بدأوا في الاستعداد لاختيار رأس نظامهم القادم، « الخليفة الرّاشد »، الثّامن ربّما، في شخص حمّادي الجبالي، الخليفة السّادس المستقيل، أو في شخص خلفه علي العريّض، المقال أو المنسحب من تلقاء نفسه، لا يهمّ ذلك، « مسعف » أكبر رؤوس الإرهاب في تونس بالهرب. والحقيقة أنّ ثمّة تعارض بين « النّائب » و »الخليفة »، تجعل من الأوّل قيّما على الثّاني، كما هو الحال تماما في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، لأنّه مصدر الشّرعيّة السّماويّة المباشر. ولو صحّ هذا، فإنّ معنى ذلك أنّ قداسة النّائب يطمح لإزاحة صاحب مونبليزير من منصبه كمرشد عامّ، ليحلّ هو محلّه ويصبح القناة الوحيدة الّتي تربط السّماء بالأرض، خمسة عشر قرنا بعد وفاة الرّسول الكريم، الذّي اضطلع بنفس هذه المهمّة خلال حياته، وهي مهمّة انقضت وزالت بوفاته

ونحن لا نعجب من تصريحات قداسة النّائب (الوهميّ أو الفعليّ؟)، ونتوقّع أن تليها تصريحات أخرى طالما لم يعترض عليه « مشغّلوه » أو « مساندوه » وألزموه بالعودة إلى الجادّة ومباشرة وظيفته الأصليّة. وعليه، فنحن لا نشكّ أنّ هذا الهوس الدّينيّ الخطير، في مختلف أشكاله وتعبيراته الّتي أفصح عنها إلى حدّ اليوم، سيتعمّق يوما بعد آخر، وسيتّخذ تدريجيّا شكل نظام تيوقراطيّ مستبدّ قد يتجاوز في عنفه وبشاعته ما اشتهر به نظام « الخلافة » البائد في مختلف أطواره التّاريخيّة، تتقاسمه التّنظيمات الدّينيّة القائمة اليوم بنسب متفاوتة. وأخطر ما في هذا السّيناريو المرعب أنّه سينفّذ تحت مسمّى « السّياسة »، وسيقدّم على أنّه « بديل سياسيّ » قابل للإنجاز، وهو ما يعني في النّهاية أنّنا ملزمون بقبول الثّمن الّذي يتطلّبه إنجاز هذا « المشروع الحضاريّ » العظيم، ممثّلا في « ضريبة الدّم » الّتي يتعيّن على الشّعب التّونسيّ أن يدفعها، والّتي بدأت بوادرها في الظّهور عبر تنامي وتيرة الأعمال الإرهابيّة في الأيّام الأخيرة

ولا بدّ لنا، في خاتمة هذه الكلمة، من طرح السّؤال التّالي على عامّة التّونسيّين، والمعنيّين منهم مباشرة بضريبة الدّم: هل بإمكان دولة مخترقة أن تقاوم الإرهاب وتنتصر عليه؟ وبعبارة أوضح: هل بإمكان الجمهوريّة أن تقاوم أعداءها من حملة السّلاح وتهادن – بل وتوظّف – أعداءها الإيديولوجيّين، مؤطّري « حملة السّلاح » و »الضّاغطين على « الزّناد »، ممثّلين في شخص « نائب الرّسول » حمدة سعيد (وهو أضعفهم مكانة وقدرة على الفعل)، وفي « نوّاب » الشّعب المعتصمين بقبّة المجلس التّأسيسيّ الّذين لا يتورّعون عن الدّفاع عن أبنائهم وإخوانهم من حملة السّلاح والذّود عنهم والتّقليل من حجم جرائرهم وخطاياهم في حقّ البلاد والعباد، وفي شخص « الرّئيس المؤقّت » الّذي جاد بعفوه الجمهوريّ على من لايستحقّه من خوارج الشّعانبي ومجرميه، وفي شخص صاحب قلعة مونبليزير الّذي يعتبر، كشأنه منذ عاد من منفاه، أنّ « الجرائم الإرهابيّة » ( بما فيه السّحل والاغتيالات ) هي « حالات معزولة » – هل بإمكان جمهوريّة هجينة كهذه أن تقاوم الإرهاب وتنتصر عليه ؟

وقد كان الهجوم على منزل وزير الدّاخليّة بالقصرين آخر هذه « الحالات المعزولة ». ولعلّ سماحة المرشد العامّ سيعتبر أنّ تصريحات « نائب رسول الله » هي أيضا « حالة معزولة » لا تعني شيئا، ولا تنال البتّة من القيم الجمهوريّة والمبادئ المدنيّة الّتي تنهض عليها، خاصّة إذا ما أخذنا بالاعتبار أنّ هذا التّمشّي لا يتعارض مع نظريّة غبطته القائلة بتصالح الإسلام والدّيمقراطيّة وتكاملهما في إطار دوله سماحته المقبلة. وعليه، فإنّه من الطّبيعيّ جدّا، في إطار هذه الدّيمقراتيّة (وهي مزج موفّق ميمون للدّيمقراطيّة والتّيوقراطيّة) أن يتجاور النّاطق باسم السّماء والنّاطق باسم الأرض

نشر هذا النّص كذلك على تونبفيزيون

بقلم فرج حوار