!! »بكل موضوعية : الجـــــــامعة التونسيّـــــة و »الأسبرين

aspirine calmant université tunisienneبقلم د. آمال موسى
توجد في كل القطاعات ببلادنا، مشاكل عدّة ومعمقة ومتراكمة، الشيء الذي يجعل من معالجتها مسألة معقدة جدا.وبدوره قطاع التعليم العالي، لا يشذ عن القطاعات الأخرى إلا من حيث طبيعة المشاكل التي يشكو منها
ولعل من بين هذه المشاكل والتي تناولتها وسائل الإعلام أكثر من غيرها خلال الأشهر الأخيرة، ما يتصل بمطالب أساتذة السلك المشترك
وفي الحقيقة من غير الممكن متابعة مشاكل أساتذة السلك المشترك ومطالبهم إعلاميا وأيضا وضع ملف التعليم العالي في إطاره العام دون فهم بعض أسس هذه المشاكل ووضعها في إطارها الرّسمي والتاريخي
وأول معلومة من المهم الانطلاق منها تتمثل في أن قرابة 40 بالمئة من الدروس في الجامعة التونسية يقدمها أساتذة من خارج سلك المدرسين الباحثين . وجزء مهم من نسبة ساعات التدريس المشار إليها يُؤمنها أساتذة ينتمون إلى قطاع التعليم الثانوي أي حاملو شهائد الأستاذية في اللّغات والإعلامية والذين التحقوا إلى مؤسسات التعليم العالي إما من خلال صيغة الإلحاق المعمول بها منذ سنوات طويلة أو من خلال صيغة السلك المشترك التي تنصّ على اختيار العناصر الأكثر تفوقا في مناظرات التعليم الثانوي لتدرس في مؤسسات الجامعة التونسية خاصة في مواد اللغات الحيّة والإعلامية
وكما نلاحظ ،فإن تأمين 40 بالمئة من ساعات التدريس من غير الجامعيين ، تبدو في قراءة أولى نسبة ضخمة بل إنها صادمة بالنسبة إلى من يحملون تمثلات صارمة لما يجب أن تكون عليه الجامعة التونسيّة .ذلك أن انفلات أكثر من ثلث ساعات التدريس التي يتلقاها الطلبة من يد سلك الأساتذة الجامعيين ، تمثل ظاهرة مثيرة للتساؤلات ولعلها نقطة جديرة بالتعمق في ملف التعليم العالي في تونس
طبعا هذه الظاهرة ليست جديدة بل هي قديمة ولكن الجديد هو تبني وزارة التعليم العالي لنفس السياسة الخاطئة حتى في مرحلة ما بعد الثورة التي تقتضي معالجة ما سبق من خيارات هي لا فقط أنتجت مشاكل نقابية من نوع آخر بل أيضا لكونها تتضارب مع إمكانية الارتقاء بالجامعة التونسية في وقت تعرف فيه مقاييس الجودة في التعليم العالي في العالم صرامة متزايدة
ونعتقد أن المبرر الاقتصادي لا يمكن أن يكون قويا ومقنعا في ملف يخص التعليم العالي وما يشترطه من جودة وقيمة معرفية وعلمية.ذلك أن الانخراط في إستراتيجية الاعتماد على أساتذة من خارج سلك الجامعيين عوض انتداب مدرسين باحثين وفقا للعدد اللازم ، هو نتاج قراءة أو بالأحرى حيلة اقتصادية ،تهدف إلى التحكم في تكلفة قطاع التعليم العالي ماليا دون اعتبار للعدد الكبير من المتحصلين على شهادة الدكتوراه ،الذين يعانون من البطالة بسبب قلة عدد الخطط التي تفتح سنويا والحال أن الجامعة في حاجة إليهم . كما أن نسبة لا بأس بها من غير التابعين لسلك الجامعيين تحتاجهم معاهد التعليم الثانوي نوعيا وكميا
ونتيجة تبني سياسة التعليم العالي في تونس منذ سنوات طويلة لإستراتيجية تركز على أهداف اقتصادية (الضغط على المصاريف) بالدرجة الأولى أصبحت اليوم مؤسسات التعليم العالي تعاني من مشكلة قائمة الذات ويبدو أنها لم يُحسب لها الحساب اللازم. ذلك أن الأساتذة غير الجامعيين الذين يقومون بتأمين قرابة 40 بالمئة من ساعات التدريس أصبحوا يمثلون قوة كميّة ويطالبون بتمثيلهم في المجالس العلمية للمعاهد والكليات
وهو مطلب حسب تقديرنا لا يجب التعامل معه والتفكير فيه بشكل معزول عن تاريخية المشكلة وأسبابها وتراكمها ومدى صلتها القوية والجوهرية بمعالجات التسكين الظرفي أو سياسة الأسبرين، التي سرعان ما يتحول الأسبرين فيها إلى سبب كاف لوجع الرأس، وهو ما بدأ يحصل اليوم

alchourouk.com نشر هذا النّص كذلك في

بقلم د. آمال موسى