النظام القديم

troika ben jaafar marzouki ghannouchi -tunisie بقلم فرج الحوار
ذهبت الترويكا ظاهريا منذ تسلّمت حكومة مهدي جمعة مقاليد الحكم في البلاد. هذا ما يراد للشعب التونسي أن يدركه ويقبل به باعتباره أمرا واقعا. ثمة من يراهن على ضعف ذاكرة الشعب التونسي لينسى التصريحات الأخيرة لرئيس حزب « النهضة »، وصاحب نصيب الأسد في « النظام التراويكي القديم »، كما نسي تصريحات كثيرة سابقة لنفس هذا الرجل. يراد للشعب التونسي أن ينسى ما أكده راشد الغنوشي مرارا وتكرارا من أن حركته تخلت عن الحكومة ولكنها لن تتخلى أبدا عن الحكم. ألا يعني هذا ضمنيا أن النظام القديم لم يسقط كليا، أي أنه سقط شكلا فقط؟

وكان راشد الغنوشي تعهد للسلفيين، حلفائه الموضوعيين، بدعمهم وحمايتهم، ووفى لهم بما وعد، حتى أنه رفض، هو ومجلس شورى حزبه، ما قررته حكومة حزبه من اعتبار « أنصار الشريعة » تنظيما إرهابيا. هذا التضارب بين موقفي الحزب والحكومة يعني بشكل واضح أن العامل الإيديولوجي هو العامل المحدد في سياسة الإخوان المسلمين التونسيين. وهو يعني كذلك أن الاستيلاء على الحكم والتمسك به بكل الوسائل هو هدف إستراتيجي ومركزي للتنظيم الإخواني. لهذا السبب بالذات لا يجب أن يغتر الشعب التونسي بما يسوّقه راشد الغنوشي خارج الحدود لطمأنة حلفائه وأنصاره الغربيين، وخاصة ما يخص الانسحاب المزعوم لحركته من السلطة لاعتبارات « أخلاقية » (!) ووطنية بحتة

الحكمة تقتضي أن يأخذ الشعب التونسي تصريحات رئيس « النهضة » مأخذ الجد، فيصدّق تماما ما أكده سيادته من أن حركته لن تتنازل أبدا عن حكم البلاد وإن تنازلت، شكلا لا مضمونا، عن الحكومة. وقد كان هذا الانسحاب منها عملا تكتيكيا بحتا قدرت أنه سينسي التونسيين النتائج الكارثية لحكمها القصير فيفرش لها مجددا البساط الأحمر لتسير عليه، عبر صناديق الاقتراع، باتجاه قرطاج والقصبة وباردو. تلك هي الخطة التي ضبطها راشد الغنوشي بإحكام ليحقق في تونس ما عجز عنه تنظيمه الأم في أرض الكنانة. وهكذا تصبح تونس عاصمة الإخوان المسلمين في العالم العربي الإسلامي ويصبح راشد الغنوشي الرئيس الفعلي لهذا التنظيم الذي صنفته المملكة العربية الإسلامية أخيرا في خانة المنظمات الإرهابية

عندما نؤكد أن « النظام القديم » لا يزال قائما فإننا نعني أنه لا يزال قائما عبر مؤسستي الرئاسة والمجلس التأسيسي تحديدا، فضلا عن الجهاز الإداري الذي استحوذت عليه الترويكا بالكامل، ولم يقع استرداده بعد، على افتراض أن عملية كهذه ستكون ممكنة. وكان راشد الغنوشي أوضح في تصريحاته، التي ألمحنا إليها آنفا، أن ما يسمّى تجاوزا « المجلس الوطني التأسيسي »، وفعليا « بيت شرعية النهضة » وأذنابها الجدد والقدامى، هو الحاكم الحقيقي للبلاد ما دام بإمكانه أن يطيح بحكومة « الكفاءات المستقلة » في أي وقت تحدده « الأغلبية » المنتهية الشرعية منذ 23 أكتوبر 2012. هذه الجزئية القانونية الهامة يتغاضى عنها راشد الغنوشي لأنه يتعامل مع مسألة « الشرعية » هذه من منطلق إيماني صرف باعتبارها « بيعة » وليست انتخابا. وليس للبيعة حدود في الزمن، لأنها تستمر ما استمر « الإمام » على قيد الحياة

 أما مؤسسة الرئاسة فهي لا تزال، على ما نالها من التهميش، حليفا وفيا للحزب الإسلامي، خاصة وأن عودة الرئيس الحالي إلى قرطاج رهن بإرادة رئيس « النهضة ». لذلك تواصل الرئاسة، بإيعاز من « حزب الرئيس » الماسك بدواليبها بالكامل، سياسة النظام التراويكي القديم » المتمثلة في ضرب الوحدة الوطنية، وزرع بذور التفرقة والفتنة، والعبث بالقيم الجمهورية المدنية، والإضرار بسمعة مؤسسة الرئاسة شكلا ومضمونا، والانتصار للتنظيمات الهامشية التي تؤمن بالعنف فكرا وممارسة، وفي مقدمتها ما يسمى « لجان حماية الثورة ». والتونسيون مجمعون اليوم على أن مؤسسة الرئاسة جزء لا يتجزأ من « النظام القديم ». ويبدو أن القوى الخارجية توافق الشعب التونسي في ما ذهب إليه، وإلا فما معنى أن يتغاضى الأمريكيون عن دعوة الرئيس المؤقت لمرافقة الوزير الأول في الزيارة التي سيؤديها قريبا إلى الولايات المتحدة؟

سيظل « النظام القديم » قائما ما لم تحيّد دور العبادة التي وضعت حركة « النهضة » عليها يدها بالكامل، باعتبار أن الأطياف الإسلاموية كلها، على ما بينها من فويرقات، تتفق في الهدف المركزي، المتمثل في إقامة الدولة الإسلامية وتحييد المساجد لن يكون ممكنا، ولن يؤتي أكله لو أمكن تحقيقه جزئيا أو كليا ما دامت « النهضة » وحلفاؤها تخلط الدين بالسياسة، وتزعم أن ذلك حقا مشروعا لها دون بقية الأحزاب. وعليه، يصبح من الضروري الحديث عن تحييد « الأحزاب » ذات المرجعية الدينية بدلا من الحديث عن تحييد المساجد. وذلك لأن المسجد فضاء محايد بطبعه، والوافدون عليه هم من يحيدون به عن وظيفته الطبيعية

Mariage-hichem laarayedh-tunisieوالحقيقة التي لا مراء فيها أن « النهضة »، ومن سار على نهجها في المتاجرة بالدين، تستغل الفضاء الاجتماعي بالكامل لتمرير إيديولوجيتها « السياسية » المزعومة. وما الإرهاب، في تمظهراته الفكرية والمادية على حد السواء، إلا نتيجة منطقية للهوس الديني الذي تمارسه هذه التنظيمات الحزبية المزعومة تحت مسميات الدعوة والإصلاح والحفاظ على الأخلاق الحميدة والعمل الخيري، وغيرها من التعلات. لذلك لم نفاجأ بالأحدث التي جدت أخيرا في حرم كلية الآداب بالقيروان، لأنه من القانوني والمنطقي، في نظر حركة « النهضة »، أن « يمسجد » (أي يحوّل إلى مسجد) الفضاء الاجتماعي بالكامل بطريقة تتحول معها كل المرافق الاجتماعية جزءا لا يتجزأ من فضاء المقدس. ووفقا لذلك يصبح من « حق » نجل الوزير الأول السابق أن يحل بفضاء علمي ليمارس فيه طقسا دينيا

هل كلية الآداب هي الفضاء المناسب للحديث عن « الشمائل النبوية »؟ بالتأكيد لا. ولكن نجل علي العريض لم يكن همه أن يشيد بمناقب الرسول الأكرم، على اعتبار أنه ملم بهذا الموضوع إلمام العلماء، وإنما همه الوحيد أن « يمسجد » الفضاء المدني حتى تصبح كل الأرض التونسية منبرا يعتليه النهضاويون ليمارسوا فيه رياضتهم المفضلة، المتمثلة في تسخير الدين لخدمة السياسة، بطريقة فجة وبأبشع الوسائل وأشدها عنفا. وذريعتهم في ذلك أن « الإسلام » (كما يراه راشد الغنوشي ومن على شاكلته من أساطين الإسلام السياسي، لا فرق بين معتدل ومتشدد) دين ودولة

لو أطلقت أيدي الإسلاميين ليطبقوا « ديمقراطيتهم » بالكامل لما ظل في البلاد مكان يكون فيه المواطن في مأمن من عيونهم وهراواتهم، لأن فضاء المواطنة سيزول بالكامل لصالح فضاء الإيمان. وهكذا يفيض المسجد على الشارع والسوق والمدرسة والمستشفى، وكل شيء. وهذا هو بالضبط ما يحلم به رجل كعادل العلمي الذي يعتقد أن من حقه أن يأمر مواطنيه بالقوة باتباع معروفة والانتهاء عن منكره. والغريب في الأمر أن علي العريض، والد الفارس المغوار الذي قاد غزوة كلية آداب القيروان، وافقه في زعمه هذا ومنحه رخصة قانونية تحول بموجبها من بائع خضر وغلال إلى عالم متبحر في العلوم الشرعية

نشر هذا النّص كذلك على تونبفيزيون

بقلم فرج الحوار