!الناتو » الطبي قادم »

faiçal baatout.journaliste tunisieفيصل البعطوط
نقلت وسائل الإعلام هذا الأسبوع عن الباحثة في طب الأعصاب بجامعة أوكسفورد البريطانية «كاثلين تايلور» أنه «سيصبح من الممكن قريبا علاج التطرف الديني وغيره من أنواع التطرف سريريا لأنها تعتبر أمراضا عقلية
وخلال محاضرة ألقتها الباحثة «تايلور» قالت: إن «التطرف الديني لم يعد وجهة نظر شخصية أو من باب الإرادة الحرة بل سيتم اعتباره نوعا من أنواع الاختلال العقلي وأن تطور البحوث في مجال طب الأعصاب سيصنف المتطرفين دينيا وأيديولوجيا على أنهم غير متوازنين عقليا ومرضى على غرار بعض المجرمين»… انتهى النقل
إذا صح ذلك فإن أمر الغلو والتطرف يكون قد خرج من بين أيادي السياسيين والقضاة ليستقر بين أيادي العلماء. وهو إقرار بعجز البشرية عن معالجة ظاهرة -لا شك في أنها مرضية- لكنَّ في الأمر تطورا جللا ينسجم إلى حد ما مع ما سبق أن أشرت إليه في هذا المكان بالقول: «إن الشمس لن تشرق من الشرق لأمد لا يعلمه إلا خالقها، وخالق الشرق وأهل الشرق
أما السبب فخلل أصبح يقال: إنه جيني… والجينات -كما نعلم- متحكمة في أشكال وطبائع المخلوقات بدليل أن قبضة الإنسان البدائي كانت تزن عشرة أرطال قبل أن تصلها المدنية وتضمر عندما ابتعد عن معاشرة الوحوش… وبدليل أن الحمار ما زال إلى الآن يأكل الوردة من دون أن يشمها.. حتى!»
وفي الحالتين إحالة على العلم، والمحالون على الطب السريري سيكونون على الأغلب من سكان الشرق –أي نحن- ويا لها من فضيحة عالمية عندما تخرج الإحصاءات في سنة 2020 مثلا لتقول: إن %80 من متطرفي العالم شرقيون
Kathleen-Taylor-maladie psychiatriqueالمشهد البائس أشبه بمجتمعات ملأت أطفالها الشوارع للنصب والاحتيال والاعتداء على المارة بسبب عجز أسرهم عن تربيتهم… وهو أيضاً شبيه بتدخلات حلف «الناتو» العسكرية لإعادة فرض السلم الاجتماعي بشرعية القوة في بلدان كان فطام أهلها على الاحتراب بسبب وبدون سبب… وجميعنا يعلم أن ذلك لم يحدث في القمر وإنما على مسافة «فركة رجل» من قارئ هذا المقال في أي مكان وجد…
لست من يقول ذلك.. قبلي وصف تقرير التنمية البشرية الذي تصدره الأمم المتحدة العالم العربي بـ «الثقب الأسود»…دعنا من هذا. فهؤلاء «إمبريالون» و»أعداء تاريخيون لسادة سادة الأرض» –أي نحن-! لكن العبقري عبدالرحمن الكواكبي قال: إن «الاستبداد طبع شرقي».. وتوفيق الحكيم عنون كتابه بـ «الشرق الحائر».. وكثيرون سواهم وصفوا حتى أعوزهم الوصف… أم هم «طابور خامس»؟
لست أعلم يقينا إن كان للغلو وللتطرف علاقة مباشرة بالمخ أو بالجهاز العصبي للإنسان العربي، لكن كثيرا ما صادفتنا أبحاث علمية تتحدث عن منطقة في المخ تتحكم في التصرفات الإرادية واللاإرادية للإنسان، والأغلب أنها تسكن بين طب علم النفس وبين ما يسمى بالطب البشري، كالانطواء والهوس والنزوع إلى العنف… وجميعها تحتاج إلى معالجات سريرية وأدوية تحاول إخراج المريض من الحالة السالبة التي تمكنت منه بلا فكاك فشوشت أفكاره
والتطرف الديني يمكن أن يكون أحد هذه الأمراض التي تؤدي بصاحبها إلى الجريمة فالإرهاب، لأن المتعصب المتشدد لا يرى أمامه إلا نفسه وجماعته، ولا يرى في المحيطين به إلا كفارا، وهو أسلوب تفكير مغلق لا يقبل وجود أي معتقدات أخرى تختلف عن معتقدات الجماعة، فيدين أي فكرة تختلف عن تلك المعتقدات ويحاول فرضها بالقوة دون مجرد التفكير للحظة في صحة معتقده من عدم صحته! وعادة ما يرافق ذلك شحنات انفعالية كبيرة وعميقة وتظهر في شكل سلوك عنيف للدفاع عن المعتقد
ويقول علماء النفس: إن المعاناة من الحرمان الاجتماعي واضطراب العلاقة بين المعني بالتطرف وبين رموز السلطة في الأسرة والمدرسة والمسجد والمجتمع سبب أساسي في التطرف… وفي أغلب الأحيان يكون المتطرف جاهلاً بالمذهب والمعتقد الذي يدافع عنه بعنف شديد… وهي تعريفات غير بعيدة عن الواقع العربي المضطرب والذي أخرج «الربيع العربي» أسوأ ما فيه حتى إن مواقع التواصل الاجتماعي تتبادل منذ فترة صورة لشاب ليبي سعيد وهو بصدد غسل دبابة مسروقة أمام منزله بواسطة خرطوم المياه الذي يستعمل لغسيل السيارات
وعودة إلى التصريح الخطير الذي جاء على لسان الباحثة البريطانية « كاثلين تايلور» يصبح من المستعجل الأعجل توافق القوم في الشرق على توحيد مفهوم التطرف والإرهاب بلا ضرورة أن يشربوا جميعا من نفس الكأس… ليعجلوا بالعلاج لأن «الناتو» الطبي قادم إذا لم يفعلوا
فيصل البعطوط