الكشف والبيان عمّا في بيت الزكاة من البهتان

zakat tunisie أنس الشابي
أعدّ حزب حركة النهضة مشروع قانون يتعلق بإحداث البيت التونسي للزكاة على أمل الموافقة عليه من طرف مجلس 23 أكتوبر، والمتأمّل في هذا المشروع يلحظ أنه استهدف الاستحواذ على الأموال التي يدفعها المؤمنون زكاة لمستحقّيها والانحراف بها إلى خدمة أغراض حزبية وسياسية ضيقة في منافاة كاملة للمقاصد الشرعية وأحكام هذه العبادة
جاء في شرح الأسباب قولهم: »…وتخفّف (الزكاة) من أعباء الدولة في معالجة الفقر والاحتياج
الزكاة عبادة قرنها الله تعالى بالصّلاة في 82 موضعا، فإن كانت الصّلاة عبادة بدنية فإن الزكاة عبادة مالية والقيام بهما إظهار للانقياد والطاعة لِما أمر به تعالى، أمّا القول بأن الزكاة تخفف من أعباء الدولة فقول دأب على ترديده مؤدّبو الصبيان من متواضعي المعرفة بالفقه وأصوله لتقريب المعاني والمفاهيم، الزكاة عبادة مثلها مثل سائر العبادات وَصِلة بين الخالق والمخلوق لا مدخل فيها لأي كان يؤدّيها المؤمن وفق ما ذكر المشرّع في الآية 60 من سورة التوبة فهي برهان الإيمان وصدقه
في إطار تمريرهم لمفاهيم ما أنزل الله بها من سلطان أشاع دعاة الخلط بين الدين والسياسة أن هنالك تماثلا بين الزكاة والضريبة وقد تبعهم في ذلك حتى البعض ممّن يدعون خصومتهم عن غباء وجهل والحال أن الفوارق بينهما تندّ عن الحصر من بينها
1) الزكاة عبادة مالية يؤدّيها المؤمن، أما الضريبة فواجب اجتماعي يؤديه المواطن، فالفرنسي المسلم يؤدّي الزكاة ويدفع الضريبة أما الفرنسي المسيحي فلا يدفع الزكاة لأن شرطها الذي هو الإيمان غير متوفر فيه ولكنه يدفع الضريبة.
2) مقدار ما يدفع من الزكاة ثابت لا يتغير أما الضريبة فغير ثابتة قد تزيد وقد تنقص وقد يعفى المواطن من دفعها في بعض الأحيان
3) مصارف الزكاة ثمانية حدّدها المشرّع يؤدّيها المطالب بها شرعا إلى أعيانها مباشرة، أمّا الضرائب التي تتحصّل عليها الدولة فتتصرف فيها وفق ما تقتضي المصلحة بحيث لا تتحدّد مآلاتها إلا بعد الدرس
4) الزكاة يدفعها الفرد ذكرا كان أو أنثى عند توفر شرط الإيمان أما الضريبة فيدفعها الفرد وتدفعها كذلك المؤسّسات كالشركات والمصانع وغيرهما.
وقد درج دعاة الخلط بين الدين والسياسة إلى التلبيس على الخلق في هذه النقطة بالذات للاستحواذ على أموال الناس مرّة تحت غطاء الزكاة وأخرى تحت غطاء الضريبة ولا تفوتنا الإشارة إلى أن الخلط الذي يمارسه حزب الحركة بين الواجبات الدينية والواجبات المدنية لا يقرّه صحيح الدين وينكره أئمتنا والسلف الصالح
ذهب واضع المشروع إلى الاستشهاد بالآية « خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ « (1) لتبرير إنشاء هذا البيت الذي سيتكفل بجمع الصدقات غير أن هذا الاستشهاد بالآية جاء في غير محلّه إذ استلّه محرّر المشروع من سياقه ليستدلّ به على ما لا علاقة له به على طريقة ويل للمصلين، نزلت هذه الآية في قوم تخلفوا عن غزوة تبوك ولكنهم اعترفوا بخطئهم فأمر الله نبيّه بأخذ شيء من مالهم صدقة، وبَيِّن أن الخطاب في هذه الآية موجّه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقط وفي حادثة معيّنة قال الشيخ محمّد الطاهر ابن عاشور: »لمّا كان شرط التوبة تدارك ما يمكن تداركه ممّا فات وكان الغزو مشتملا على أمرين هما عدم المشاركة في الجهاد وعدم إنفاق المال في الجهاد، جاء في هذه الآية إرشاد لطريق تداركهم ما يمكن تداركه ممّا فات وهو نفع المسلمين بالمال، فالإنفاق العظيم على غزوة تبوك استنفد المال المعدّ لنوائب المسلمين، فإذا أخذ من المتخلفين شيء من المال انجبر به بعض الثلم الذي حلّ بمال المسلمين. فهذا وجه مناسبة ذكر هذه الآية عقب التي قبلها. وقد روي أن الذين اعترفوا بذنوبهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم هذه أموالنا التي بسببها تخلفنا عنك خذها فتصدق بها وطهّرنا واستغفر لنا فقال لهم لم أومر بأن آخذ من أموالكم، حتى نزلت هذه الآية فأخذ منهم النبي صلى الله عليه وسلم صدقاتهم، فالضمير عائد على آخرين اعترفوا بذنوبهم.« (2) ويقول القرطبي: »هو (الأمر) مخصوص بمن نزلت فيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منهم ثلث أموالهم وليس هذا من الزكاة المفروضة في شيء. »(3) بيّن ممّا ذكر أن محرّر المشروع يستدلّ بالآيات في غير موضعها مُوهِما غيره أنه يستند إلى الشرع العزيز فيما يسوّد، فالخطاب الذي يكون موجّها للرسول صلى الله عليه وسلم فقط يصبح لدى حزب الحركة موجّها إلى وزارة الشؤون الدينية والذين تخلفوا عن غزوة تبوك يعمّم وصفهم ليشمل المتخلفين عن مساندة حزب الحركة والصدقة التي هي عطية من المتخلفين تصبح صدقة واجبة. الذي يهمنا من كلّ ما ذكر أن الذين أعدّوا هذا المشروع لا يتورّعون عن تزوير المعاني والانحراف بالآيات عن سياقاتها لتحقيق أغراض سياسية هي في حالتنا هذه الاستحواذ على ما يتأتى من الزكاة.
جاء في الفصل الثاني: »يتولى البيت التونسي للزكاة جمع أموال الزكاة…… واستثمارها ».
فهل يجوز لهذا البيت أن يجمع الزكاة فينوب المؤمنين في أداء عبادتهم؟ وهل النيابة في هذه الحالة جائزة؟ وهل يصحّ شرعا استثمار أموال الزكاة؟ وهل أباح المشرّع التصرّف فيها خارج مصارفها الثمانية التي حدّدتها الآية في قوله تعالى »إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ« (4)؟.
إن المتأمل في المدوّنات الفقهية والحديثية وكتب التفسير يلحظ بجلاء أن الله تعالى حدّد المصارف الثمانية مستعملا إنّما أداة للحصر بحيث تُوقَف الصدقات على الثمانية المذكورين ولا تتجاوزهم إلى غيرهم(5)، كما ذهب الفقهاء إلى أنه لا يجوز صرف الزكاة في جهات الخير غير ما تقدّم بيانه فلا تُنشأ بها طريق ولا يُبنى بها مسجد ولا قنطرة ولا تُشق بها ترعة ولا يُعمل بها سقاية ولا يُوَسَّع بها على غيرها من أصناف الخير(6) وفي تعداد الأصناف الثمانية إشارة لطيفة إلى أنه على المؤمن أن يباشر أمر التصدّق بنفسه ولا يوكِّل غيره، لأنه لو كانت الوكالة جائزة أو محبّذة لما سكت الشرع عنها ولما حدّد أصنافها بتفصيل كامل، علما بأن: »رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتان بعده يأخذون الزكاة من كل الأموال، إلى أن فوّض عثمان رضي الله عنه في خلافته أداء الزكاة عن الأموال الباطنة إلى مُلاّكها« (7) والأموال الباطنة هي الذهب والفضة وما شاكلهما والأموال الظاهرة هي الزروع والمواشي والمعادن، والمستفاد أن إعطاء الزكاة إلى الخليفة إنما تمّ في مبتدأ الدعوة وبناء الشوكة ولمّا قامت الدولة وانتفت الأسباب عاد الخليفة الثالث رضي الله عنه إلى منطوق الآية، وقد ذهب عدد من الفقهاء الأحناف والشافعية وغيرهم إلى: »أن الدفع إلى الإمام غير واجب في الأموال الظاهرة والباطنة على السواء، فيجوز للمالك صرفها إلى المستحقين مباشرة قياسا للظاهرة على الباطنة، ولأن في ذلك إيصال الحقّ إلى مستحقه الجائز تصرفه، فيجزئه، كما لو دفع الدَّيْن إلى غريمه مباشرة« (8) الأمر الذي يعني أن محرّر مشروع بيت الزكاة الوزير الوهابي السابق لشؤون البدو الرحّل الدينية المدعوّ نور الدين بن حسن الخادمي اختلق لنفسه مهمّتين لم يأت بهما الشرع أولاهما جمعه للزكاة الذي هو في حقيقته استحواذ على أموال عُبَّاد الرحمان وثانيتهما تصرّفه في هذه الأموال بالمنافاة الكاملة للقواعد الشرعية كحديثه عن استثمارها في الفصل الثاني، لأن الزكاة يشترط فيها التمليك جاء في ردّ المحتار: »ويشترط أن يكون الصرف تمليكا لا إباحة كما مرّ، لا يصرف إلى بناء نحو مسجد، لا إلى كفن ميّت وقضاء دينه، …… لا كبناء القناطر والسقايات وإصلاح الطرقات وكراء آلاتها والحج والجهاد وكل ما لا تمليك فيه« (9) وجاء في تفسير القرطبي: » وقال الشافعي اللام لام التمليك« (10) بحيث يُمنع على المزكّي أن يبني أو يساهم في بناء مسجد من أموال الزكاة، إن كان هذا هو الحال مع المساجد وغيرها من وجوه الخير فهل يجوز الاستثمار كما جاء في الفصل الثاني من هذا المشروع.
جاء في فقرة أخرى من الفصل الثاني: »أموال الزكاة النقدية والعينية التي يؤديها الأفراد والشركات والجمعيات… ».
يعلم الجميع أن الزكاة عبادة مالية لا تختلف عن الصلاة في شيء يطالب بها المسلم ويعفى منها غيره وهي فرض عَيْن على من توفرت فيه شروطها والغريب أن محرّر المشروع أدرج الشركات والجمعيات من بين الذين طالبهم الله بأداء الزكاة، فهل يصحُّ القول بأن هذه الشركة مسلمة وتلك كافرة؟ وكيف نتيقّن من إسلامها؟ وهل عليها أداء الشهادتين أمام حمدة سعيد الواعظ الذي رقاه حزب الحركة إلى رتبة مفت ونشرت قريبته أخباره في المواقع الاجتماعية؟ وهل يصحّ لدى من يمتلك ذرّة من العقل أن يُدرج المؤسّسات الاقتصادية ضمن المطالَبين بحضور صلاة الجمعة والصوم والحج إن استطاعت إلى ذلك سبيلا؟ إنها المهزلة التي يعيشها الوطن بعد أحداث 14 جانفي حيث اختلطت القيم وديس على الكفاءات لتسود الغوغاء.
من بين المصارف التي يستشهد بها دعاة الخلط بين الدين والدولة للاستحواذ على أموال الزكاة المصرف السابع الذي هو في سبيل الله حيث اتجهوا إلى التوسعة في المصرف المشار إليه يقول سيّد سابق: »ومن أهم ما ينفق في سبيل الله في زماننا هذا إعداد الدعاة إلى الإسلام وإرسالهم إلى بلاد الكفار من قبل جمعيات تمدّهم بالمال الكافي…. »(11) هذه التوسعة المفتعلة مكنت الأحزاب الدينية والجمعيات الملحقة بها من موارد مالية ضخمة ظهرت في الاعتداءات التي طالت شعوبا مسلمة كما هو الحال سابقا والآن في الجزائر والعراق وأفغانستان والشيشان ومالي والنيجر وغيرها ممّا لست أذكره فظن ظنا ولا تسأل عن الخبر، وقد بلغ الأمر بهذه البيوت بحسب تسمية محرّر المشروع التونسي والجمعيات الخيرية بحسب التسمية الدارجة في الإعلام إلى استغلال الأموال التي يدفعها البعض وسيلة للتجنيد ومخاصمة الأنظمة لحساب هذا الطرف أو ذاك وما يحدث في سوريا أكبر دليل على ذلك، أما صحيح الدين فإنه يرى أن مصرف في سبيل الله يقصد به الجهاد وما ذكر لا يُصَنَّف ضمن الجهاد بأي صورة من الصور بل ضمن الحرابة والبغي المعاقب عليهما شرعا قال الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور المتوفى سنة 1973: »وفي سبيل الله الجهاد أي يصرف من أموال الصدقات ما تقام به وسائل الجهاد من آلات وحراسة في الثغور كل ذلك برّا وبحرا….. وسبيل الله لم يُختلف أن الغزو هو المقصود، فيعطى الغزاة المحتاجون في بلد الغزو وإن كانوا أغنيا في بلدهم، وأما الغزاة الأغنياء في بلد الغزو فالجمهور أنهم يعطون وبه قال مالك والشافعي وإسحاق« (12) بهذا قال المفسرون والفقهاء وتوسع بعضهم إلى إدراج الجواسيس ممن يأتون بأخبار العدوّ(13) نصرة للمسلمين.
لا يخفى على أحد أن حزب حركة النهضة منذ انتخابات 23 أكتوبر وهو يلهث من أجل تغيير النمط المجتمعي الذي ارتضاه التونسيون وتواضعوا عليه وذلك عن طريق الاندساس في مفاصل الدولة لمسخها من الداخل واقتراح القوانين التي تستهدف تخريب المكتسبات التي تحققت وجعلت من تونس منارة للحداثة والتسامح وذلك عن طريق اقتراح قوانين جميعها تستهدف الاستحواذ على مواطن القوّة وتخريب جهاز المناعة في مجتمعنا، هذه المرّة التفتوا إلى الزكاة وفي غلظة وفظاظة اعتدوا على الشرع العزيز وحاولوا بجهالة لا نظير لها التمهيد لاختلاس أموال الزكاة من مصارفها المحدّدة شرعا بنيّة استغلالها في مؤامراتهم وأجنداتهم السياسية، ولأن جهالاتهم بالشرع العزيز أصبحت مضرب المثل آلينا على النفس أن لا نصمت دفاعا عن الشرع الحنيف وعن الوطن وعن الذات، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

أنس الشابي

الهوامش
1) سورة التوبة 103.
2) التحرير والتنوير 11/22.
3) تفسير القرطبي تحقيق الشيخ أبو إسحاق إبراهيم إطفيش، 8/244.
4) سورة التوبة 60.
5) تفسير القرطبي 8/312.
6) الموسوعة الفقهية الكويتية 23/328 و329.
7) الموسوعة الفقهية الكويتية 23/303 و304.
8) الموسوعة الفقهية الكويتية 23/305.
9) ردّ المحتار على الدرّ المختار حاشية ابن عابدين، 2/62.
10) تفسير القرطبي 8/167.
11) « فقه السنة »، دار الفتح للإعلام العربي، القاهرة 1994، 1/371.
12) التحرير والتنوير، 10/237 و239 و240.
13) « بلغة السالك لأقرب المسالك » للشيخ أحمد الصاوي، دار الفكر، 1/218.