الدعوة إلى المساواة في الإرث هي من نوع خلع الأبواب المفتوحة أصلا

أنصبة الورثاء بين الوجوب والإباحةhéritage

ثار اللغط مجدّدا حول مسألة المساواة في الإرث بين الذكور والإناث، هذه الدعوة قديمة نجدها في واحدة من خطب الزعيم بورقيبة ولكنه تراجع عنها في الإبان، بعد ذلك أثارت جمعية النساء الديمقراطيات الموضوع بتحريض من السلطة السابقة التي فتحت لها المذاييع والتلافيز بغرض فك الحصار حولها وإشاعة القول بحداثتها وارتباطها بالعصر وقيمه، إثر أحداث 14 جانفي وفي نفس السياق طلع علينا جماعة لجنة ابن عاشور بشرط التناصف في الانتخابات ليصبح فيما بعد تناصفا عموديا وتناصفا أفقيا في كل شيء، إلا أن هذه الدعوة تصبح في غير محلها إذا انتقلنا بها إلى أحكام المواريث وبيان ذلك فيما يلي
1) للإرث أسبابه التي لا تخرج اليوم عن النكاح والقرابة الأمر الذي يعني أن أحكام الميراث لا تنطبق إلا على أفراد الأسرة الواحدة عند وفاة المورّث
2) للأسرة موقع متميز في المنظومة الاجتماعية إذ بصلاح الجزء يصلح حال الكل لهذا السبب بالذات أولى المشرع أحكامها بعناية خاصة فأوجب الإحسان إلى الوالدين وذوي الأرحام وأوجد سبل التصالح والتراضي عند الخلاف وغير ذلك
3) عادة ما تنشأ الخلافات بين أفراد الأسرة الواحدة لأسباب مالية حيث يؤثر البعض نفسه على أقرب أقاربه
حماية للأسرة من أن يحدث بين أفرادها خلاف ومنعا لوجود الخصومات حول اقتسام التركة لجأ المشرّع إلى تحديد نصيب كل وارث بتفصيل في سورة النساء، والسؤال الذي يطرح نفسه هل أن حكم هذه الأنصبة هو الوجوب في كل الحالات أو أن المشرع ترك للمؤمن فسحة للتصرف؟، لو افترضنا أن مجموعة من الورثاء اتفقوا بالتراضي فيما بينهم على قسمة التركة بالتساوي بين الذكور والإناث والأصول والفروع فهل في ذلك مانع شرعي؟ ولو نُفِّل أحد الورثاء بالترفيع في نصيبه بموافقة كل الورثاء هل يمنع الشرع ذلك؟ ثم والسؤال الأهم ما هي الحكمة من تحديد الأنصبة؟ هل تم ضبطها لذاتها أو أنها تخفي وراءها هدفا قصد المشرع إبلاغه للمؤمنين؟، إن وضعنا في الاعتبار أن الحكمة من إيراد هذه الأنصبة هو المحافظة على سلامة العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة بالاحتكام إلى شرع يؤمنون به جميعا فإن وجوب نفاذها يكون مشروطا بوقوع الخلاف أو توقّع حدوثه وطالما أن هذا الشرط لم يتوفر يكون حكم الأنصبة الإباحة أي أن الورثاء مخيّرون بين الالتزام بما ورد في الآية أو تجاوزها لأن الحكمة منها تتمثل في تحقيق المصلحة ببقاء الأسرة متماسكة من ذلك أن الجلة من العلماء المشهود لهم يذهبون إلى اعتبار المصلحة من بين أهم الأدلة الشرعية التي تجب مراعاتها، في هذا المعنى يقول الفقيه الحنبلي نجم الدين الطوفي في رسالته: « فالمصلحة وباقي أدلة الشرع إما أن يتفقا أو يختلفا فإن اتفقا فبها ونعمت… وإن تعذر الجمع بينهما قُدِّمت المصلحة على غيرها »(1) إن كان هذا هو المعتمد عند التعارض بين النص والمصلحة فمن باب أولى أن نلجأ إلى التصرف وفق ما تقتضي مصلحة التماسك العائلي خصوصا وأن النص لا يمنع ذلك بل تحرض عليه المقاصد العليا للتشريع، هذا وقد ذهب بعض الفقهاء إلى ما هو أكثر استنارة وفهما للمقاصد يقول ابن عابدين في ردّ المحتار: « قوله لتقدم حق العبد أي على حقّ الشرع لا تهاونا بحقّ الشرع بل لحاجة العبد وعدم حاجة الشرع ألا ترى أنه إذا اجتمعت الحدود وفيها حقّ للعبد يبدأ بحقّ العبد لما قلنا ولأنه ما من شيء إلا ولله تعالى فيه حقّ فلو قدّم حقّ الشرع عند الاجتماع بطل حقوق العباد »(2
والذي أخلص إليه أن الدعوة إلى المساواة في الإرث هي من نوع خلع الأبواب المفتوحة أصلا لأن المشرّع لم يوجب الاحتكام إلى سورة النساء إلا في حالة الاختلاف بين أفراد العائلة الواحدة وما إثارة هذا الموضوع كسابقيه حول تحفيظ القرآن والزكاة إلا محاولة لتحقيق مكتسبات سياسية وحشر الخصوم في الزاوية مستغلين في ذلك عواطف العامة التي لم تصقلها المعرفة بعد.

الهوامش
1) « المصلحة في التشريع الإسلامي ونجم الدين الطوفي » مصطفى زيد، دار الفكر العربي 1954، ص46 من الرسالة
2) « ردّ المحتار على الدرّ المختار » 2/144

أنس الشابي