التّصحير والتّصحير المضاد

gourou rached ghannouchiprésident habib_bourguiba

بقلم فرج الحوار

انهال علينا رؤوس الإسلام السّياسيّ، من مختلف الرّتب القياديّة في حركة « النّهضة » خاصّة، بسيل من النّظريّات والتّحاليل عن جريمة « التّصحّر الدّيني » الّتي اقترفتها الدّولة الوطنيّة بقيادة الزّعيم الحبيب بورقيبة، ثمّ واصلها وعمّقها من بعده خلفه زين العابدين بن علي، والّتي أفضت، حسب راشد الغنّوشي، فيما أفضت إليه من نتائج كارثيّة، إلى استشراء ظاهرة التّعصّب والتّشدّد الدّينيين، اللّتين أفضتا بدورهما إلى انتشار ثقافة الإرهاب، في شقّيه النّظري والعمليّ

ويستشفّ من قول رئيس حركة « النّهضة » أنّه، على ما يؤكّده هو نفسه وأنصاره وأشياعه من بعده، خلافا للمُصحَّرين من مواطنيه، رمز الاعتدال والتّسامح والتّفتّح على الغير والقبول باختلافه. ونحن لا نرى بأسا أن يروّج راشد الغنّوشي عن نفسه هذه الصّورة البهيجة – وإن كنّا نختلف معه في ذلك لأنّنا لا نرى في مرآته ما يرى هو من نفسه – ونودّ فقط لو يشرح لنا فضيلته كيف أمكن له أن ينجو من لعنة التّصحّر وآفاته، خلافا لأبناء جيله ومن تلاها من الأجيال، وأين ثقف مبادئ الاعتدال وتشبّع بها حتّى بات من المبشّرين بهاد داخليّا وخارجيّا؟ وبعبارة أوضح، نودّ لو يتفضّل شيخ « النّهضة » الأكبر بالردّ على هذا السّؤال لا غير: هل الاعتدال فعل ثقافيّ أم معطى وراثيّ لا يختلف جوهريّا عن المعطيات الجينيّة؟

وما يدفعنا إلى طرح هذا السّؤال أنّنا لم ندرك تماما، بالعودة إلى نظريّة التّصحّر الّتي ابتدعها « الشّيخ » وطوّرها وأشاعها في الآفاق، كيف يمكن أن يكون « التّصحّر » المزعوم في مقام « الجرثوم »، النّاقل لمرض فتّاك، ولكنّه يصيب أناسا فيهلكهم ويتجاهل السّواد الأعظم من عباد الرّحمان، وفي مقدّمتهم هو نفسه؟ وما دام التصحّر يعني حتما، كما توحي بذلك هذه النّظريّة الفريدة، التّطرّف، فهل يقصر صاحبها هذا « المرض العضال » في جانبه الدّيني أم أنّه يعتبر الإلحاد مظهرا آخر من مظاهر هذا التّطرّف البغيض؟ فإن كان الأمر كذلك – ونحسب أنّه كذلك فعلا لأنّ « الأستاذ-الشّيخ » عادة ما يقرن التّطرّف الدّينيّ بالتّطرف العَلمانيّ، معتبرا أنّ الأوّل هو ردّ طبيعي وحتميّ على الثّاني – فلماذا إذن، طالما أنّ هاتين العلّتين في التّصحّر سواء، أفضت الأولى فقط إلى الإرهاب في أبشع أشكاله؟ وبعبارة أخرى، لماذا وقف التصحّر بالعَلمانيّ عند الاعتدال – والاعتدال هو الامتناع عن العنف الفكري والمادّيّ – وذهب بالإسلامويّ إلى التّشدّد والإرهاب؟

وقبل أن نواصل تحليلنا لنظريّة التّصحّر عند شيخ « النّهضة » الأعظم، فليسمح لنا فضيلته بالتوقّف عند جزئيّة لغويّة على غاية من الأهميّة. فقد استعمل سماحته لفظة « التصحّر » للتّعبير عن فعل أعوان الدّولة الوطنيّة ورمزها الأكبر في المجال الدّينيّ. والحقيقة أنّ كلمة « التصحّر » تعبّر عن الظّاهرة الطّبيعيّة النّاتجة عادة عن قلّة المطر أو انحباسه كلّيا، وما ينتج عن ذلك من تغيّر في المناخ وفي خصوبة الأرض، بحيث تتراجع « الزراعة » ( وهي فعل بشريّ بامتياز ) وتعوّضها نباتات طبيعيّة من جنس الشّوكيّات، لا فائدة فيها بتاتا للإنسان. وحيث أنّ « الأستاذ-الشّيخ » لا يشير إلى هذه الظّاهرة، وإنّما إلى ظاهرة أخرى، مماثلة لها في النّتائج ربّما، ولكنّها من صنيع الإنسان، فقد كان من الأجدر إذن، تمييزا لها عن الأولى، أن يشار إليها بلفظة « التّصحير » وليس التّصحّر

وبغضّ النّظر عن المراد الحقيقيّ لرأس « النّهضة » ومفكّرها الفذّ، فإنّ الظّاهرة في حدّ ذاتها، الطّبيعيّة منها والمفتعلة على حدّ السّواء، لا تكفي في نظرنا لتفسير ظاهرة التّطرّف الدّيني وما تؤول إليه في غالب الأحيان من إرهاب. فلو ذهبنا مع « لأستاذ-الشّيخ » في ما ذهب إليه من أنّ الإرهاب هو نتيجة حتميّة لعمليّة « التّصحير » الّتي أُخضعت لها بعض الدّول العربيّة الإسلاميّة، الّتي شاء لها سوء الطّالع أن تقع في قبضة « العَلمانيّة »، فكيف يفسّر غبطته استشراء الطّاعون الإرهابيّ في المملكة العربيّة السّعوديّة، ونفيطيّات الخليج، والسّودان الّتي تحكمها أنظمة يُقال إنّها « إسلاميّة »، لا يمكن بالمرّة أن تُتّهم بأنّها تُمارس التّصحير الدّينيّ؟

وعليه، فإنّ المنطق السّليم – دونما حاجة إلى اللّجوء إلى المنطق الفلسفيّ الدّيكارتي – يجيز لنا أن نستنتج ممّا تقدّم أنّ للتشدّد الدّينيّ وما يسفر عنه من إرهاب أسباب أخرى لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالتّصحير الّذي مارسته الدّولة الوطنيّة العَلمانيّة. وممّا يؤكّد هذه النّتيجة المنطقيّة أنّ التّعصّب الدّينيّ استفحل في عهد دولة حركة الشّيخ وتحوّل بسرعة إلى حرب طاحنة شملت كافّة أنحاء البلاد. ألا يعني ذلك أنّ الإرهاب الدّينيّ هو عمل موجّه ضدّ الدّولة، بما في ذلك تلك الّتي لا تمارس فعل « التّصحير »؟

وعلى افتراض أنّ التّصحير الّذي ينسبه زعيم الإسلاميّين في تونس للدّولة الوطنيّة أمر ثابت، فإنّ عليه أن يقرّ أنّ ما هو بصدد القيام به اليوم في تونس، لإعادة الأمور إلى نصابها، متمثّلا في « أسلمة » التّعليم والاقتصاد والمجتمع، يتنزّل في خانة ما يمكن أن نسمّيه بالتّصحير المضادّ، أي استئصال كلّ مظاهر الحداثة واستبدالها بنقيضها الإسلاميّ المزعوم. والحقيقة الّتي يتغاضى عنها الإسلامويّون عن بكرة أبيهم، بدفع من مفكّريهم ومجتهديهم ومنظّريهم ( من طراز راشد الغنّوشي )، أنّهم، في صنيعهم هذا، إنّما يقتدون بالدّيكتاتوريّة الّتي يزعمون أنّهم جاؤوا ليجتثّوها من جذورها

وحيث أنّ التّصحير المضادّ أمر واقع وملموس بالنّسبة لعامّة التّونسيّين اليوم، ترتّبت عنه نتائج كارثيّة كانت لها انعكاساتها الخطيرة على حياة النّاس بصورة مباشرة، وحيث أنّ التّصحير العَلمانيّ المفترض لم يؤدّ، خلال العقود الستّة المنصرمة، إلى الآفات الّتي تمخّضت عنها سنتان لا غير من حكم الإسلاميّين، لا في تونس فحسب وإنّما في كلّ بلدان « الرّبيع العربي » المغشوش، فإنّ المنطق السّليم يفترض، مرّة أخرى، أن نقرّ أنّ الإرهاب – وهو من أبرز النّتائج الكارثيّة للتصحّر المضادّ، هو نتيجة حتميّة للإسلام السّياسيّ، وأنّ الدّولة الوطنيّة – على علاّتها الكثيرة – منه براء

ونحن نرى أن الإرهاب الدّينيّ، الفكريّ والمادّي منه على حدّ السّواء – هو نتيجة حتميّة للإسلام السّياسيّ القائم على مبدإ أنّ « الإسلام دين ودولة »، مجيزا بذلك إقحام الدّين في السّياسة. ونحن نعتقد، تبعا لذلك، أنّه لن يكون من الممكن دحر الإرهاب والقضاء عليه ما لم يتخلّ الإسلامويّون عن قولتهم هذه، ويمارسون السّياسة باعتبارها فنّ الممكن وليس بصفتها إرادة السّماء الغاشمة الّتي لا بدّ للأرض أن تتكيّف بها طوعا أو كرها

نشرهذا النّص كذلك على تونبفيزيون 

بقلم فرج الحوار