الإسلام السياسي : هل ستظل نظرة الرِّيبة قائمة؟

يظل الخطاب السياسي بشكل عام رهين قراءات تخضع دائمًا للريبة والشك، باعتبار أن السياسة هي فن الممكن ومنشغلة بما هو كائن على حساب ما يجب أن يكونالشيء الذي يجعل من خطاب موضوعه السياسة، يخضع آليًا إلى خصائص الفعل السياسي ذاته

آمال موسى

آمال موسى

هكذا هو شأن الخطاب السياسي. أما إذا كان الخطاب سياسيًا إسلامويًا، فإن كل ما ذكرناه يُصبح مضاعفًا من حيث المدلول والمعنى
ففي مثل هذا الخطاب، يُدار صراع رمزي عنيف بين السياسي والديني، أي بين الممكن والمقدس. وهو صراع تحتّمه لحظات مخصوصة عالية التوتر
ويبدو لنا أن الخطاب العام لقيادات حركة «النهضة» خلال الأسابيع الأخيرة، وصولاً إلى ما أدلى به رئيس الحركة السيد راشد الغنوشي قبيل انعقاد المؤتمر العاشر للحركة، إنما يصب في خانة هذا النوع من الخطاب المتصادم السجلات، الذي يخلط عشوائيًا بين معاجم مختلفة المفاهيم والتصورات والاشتقاق
وكما سبق أن أشرنا في مقال الأسبوع الماضي، فإن القضية الأساسية التي أثارت اهتمام قواعد الحركة وخصومها ومتابعيها بشكل عام، تتعلق بما اصطلح على تسميته الفصل بين «الدعوي» والسياسي
وهكذا نفهم لماذا استبدت هذه المسألة دون غيرها بالخطاب المعلن في الفترة الأخيرة السابقة لانعقاد المؤتمر العاشر، الذي سيحسم في هذه المسألة من خلال تصويت قواعد الحركة بالأغلبية لفائدتها
إذن اللافت للانتباه أن الخطاب حول المسألة المشار إليها، لم يعكس في مفاهيمه ومنطقه وروحه، مضمون الرسالة التي يطمح لتمريرها لغير النهضويين. فهو خطاب ملتبس وغير خالص الرؤية: فمن جهة يُعلن السيد الغنوشي أن الحركة لم تعد من الإسلام السياسي، وأنها أضحت مدنية، وفي الوقت نفسه يبتكر مفهومًا جديدًا يسميه: الديمقراطية المسلمة. بل إنه خطاب يعلن بشكل احتفالي ظاهري عن الفصل، ويشتغل بشكل موازٍ على فكرة التمييز، إذ لا يتوانى عن التوضيح بأن الدعوي سيصبح من مشمولات الحقل المدني. ومن ثمة فهو احتفال بالفصل بين «الدعوي» و«السياسي» وليس «السياسي» و«الدعوي». أي أن الدعوي بصدد التخلص من هيمنة السياسي، وليس العكس. أي أننا أمام خطاب يعلن الإفراج عن الدعوي أكثر من أي شيء آخر
بمعنى آخر، نحن أمام خطاب حمال لمعانٍ مختلفة ومتعارضة. وتجد كل فئة فكرية فيه ضالتها، إذا ما أحسنت عملية الغربلة وأغمضت عينيها عن مكر المنطق ورائحة روح الخطاب في معناها العام
ذلك أن الميل إلى أسلمة الديمقراطية، إنما يعني من حيث الإحالة استدعاء مفهوم الشورى في الثقافة السياسية الإسلامية المبكرة. بل إن التأصيل الإسلامي لمفهوم الديمقراطية في أدبيات الإسلام السياسي، يقوم باستحضار مبدأ الشورى، بوصفه تأصيلاً إسلاميًا للديمقراطية ومستندًا إلى الريادة الإسلامية لفكرة الديمقراطية
بيت القصيد إذن: أن الخطاب يتوسل مفاهيم في نشاز مع رسالة الفصل المعلنة
طبعا لا يفوتنا أن الفصل بين الدعوي والسياسي ليس عملية ضغط على زر معين. وما هو بصدد التبلور حاليًا لا يتجاوز مستوى إعلام النيات، لأن الفصل فعل ومسار وحدث، يتشكل ويُصاغ مواقف وتجربة وسلوكًا
ولما كان الفصل فعلاً يطال العقل قبل القول والممارسة أكثر من النيات، فإن خطاب الفصل في حركة النهضة التونسية خطاب سياسي، يفتقد مخاض الفكر العميق والقوي، الشيء الذي جعل منه في أحايين كثيرة خطابًا ضد الفصل ذاته، باعتبار أنه لم يفك الارتباط بعد بين الدعوي والسياسي. ذلك الارتباط الذي يبدأ بقرار ولا يتحقق فقط به
فالخيال السياسي للحركة من خلال استنطاق الخطاب الاتصالي لأهم القياديين نشأ على ارتباط عضوي بين البعدين السياسي والدعوي، وليس من السهل تغيير المخيال السياسي. وستضطر الحركة إلى الخضوع لعدة صدمات كهربائية من أجل حراك أقوى وأسرع لمخيال العلاقة بين الديني والسياسي في أدبيات الحركة وروافدها
المشكلة أن هذه الخطاب الملتبس والتلفيقي في كلماته المفاتيح، يفسر عدم حماسة الكثير من الخصوم لإعلان الفصل، الذين يستندون إلى قراءة منطقية مفادها أن فكر الحركة، الذي لطالما تغذى من مفاهيم الحاكمية وغيرها ذات الرافد الإخواني، من الصعب أن يتخلص من هذا الإرث بجرة قرار مسيس بالدرجة الأولى
نشير إلى هذا الموقف من دون أن ننسى أن الحركة على امتداد كتابة الدستور الجديد لما بعد الثورة قطعت خطوات نوعية في مجال تبجيل السياسي، وخوض امتحان استحقاق المشاركة السياسية
أظن أن ما ينقص حركة النهضة التونسية رغم تميزها عن باقي حركات الإسلام السياسي، في الفضاء العربي الإسلامي، وقدرتها على «التبيئة» داخل المجتمع التونسي، أنها مهووسة بالسياسي وبإظهار تطور تصوراتها السياسية مهملة نقطة مهمة عليها يرتكز خصومها من النخبة: إدارة الظهر للمراجعة الفكرية، وخوض النقاش الفكري في معزل عن السياسي وأغلب الظن أن نظرة الريبة ستظل قائمة الذات، ما لم تتنبه الحركة إلى هذه النقطة

آمال موسى