…« الإرهاب والكباب »

faiçal baatout tunisie état sans cravateبقلم فيصل البعطوط
دول أوروبية تعيش حالة من الفزع الشديد بعد أن اكتشفت أن بعض إرهابيي نزاعات الشرق الأوسط من رعاياها. وهاهم ينوون العودة… وبمجرد أن أبدى الرئيس الأميركي استعدادا لمساعدة العراق في التصدي لـ «داعش» حتى أجابه أميرها: «اصمت… موعدنا في واشنطن»!.. ثم بعده بقليل صدر البيان البينة.. وجاء فيه : أن « داعش » ينوي استخدام الأردن مركزاً لوجستياً في المرحلة الحالية ولكنه سيكون جزءاً من ولاية الخليفة طوعاً أم جبراً…ملحق خير إن شاء الله

على مدى ثلاث عشرة سنة لم يتسن للغرب أن يفهم كنه 11 سبتمبر الأسود… ولا هو فهم كيف تشتغل ساعة الشرق الأوسط المعقدة… الأدهى من ذلك والأمرّ أن كثيرا من النخب الفكرية والسياسية القائدة في الشرق الأوسط نفسه عاجزة عن فهم ظاهرة الإرهاب وميكانيزمات ارتداداتها؛ وذلك رغم الشهادات التاريخية المجلجلة بأن «طالبان» أفغانستان كانت في بداياتها نصلا بصناعة غربية لسلخ الدب الروسي قبل أن تصبح مسمارا في قدم العالم بأسره… وأن ما تلاها من أسماء ومسميات شبيهة بها لا تخرج عن ذات القاعدة

هناك قاعدة أسهل للحفظ، لكن لا أحد حفظها إلى الآن ومؤداها أن «من حفر جبا لأخيه وقع فيه»… وأخرى تقول إن العنف لا يولد إلا العنف.. ثم ثالثة الحكم: أن من يخال نفسه من القوة بدرجة امتلاك قرار تصويب الطلقة الأولى في الحرب لن يكون دائما على نفس درجة القدرة عندما يقرر الطلقة الأخيرة… أما الحكمة الرابعة – وليست الأخيرة- فـ «على الباغي تدور الدوائر»… أي أن الذين يشعلون النيران في خيام الآخرين ليسوا أبداً في مأمن من أن تنشب النيران في ملابسهم قبل الهروب

هناك أيضاً قصة أخرى شديدة التداول بين الناس.. وملخصها أن رجلا قوي البأس اشترى نمرا صغيرا ورباه، فلما كبر واشتد عود النمر أكل صاحبه… أما التاريخ فحافل بقصص الانقلابات والخيانات والمفاجآت المزلزلة… وجميعها تحمل اسما وديعا في علم السياسة.. «تحالفات» و «تحول سياقات»!.. والحقيقة أنها ليست سوى جشعا وعبادة للملك

مناسبة الكلام أن «الفوضى الخلاقة» التي صورها أصحابها على الحاسوب كـ «شرق أوسط كبير» و «جديد» مرجلا يغلي على أمل أن يصلى فيه غير الصالحين من أهله وحدهم. قد تخرج قريبا عن سيطرة مهندس الإعلامية الألمعي بفعل الواقع المختلف عن الافتراضي، وقد ترسل بشرر الفوضى الهدامة إلى خارج الإقليم عندما يشبع هذا الأخير نارا بعد أن يكون قد حرق الصالحين فيه… والإرهاب الذي استشرى اليوم في «الهلال الخصيب» -المصطلح الجغرافي الذي أطلقه عالم الآثار الأميركي «جيمس هنري برستد» على حوض نهري دجلة والفرات، والجزء الساحلي من بلاد الشام- وامتد خطره إلى المغرب العربي لن يكتفي بالخارطة الممتدة من الماء إلى الماء، وسيتمدد جنوبا وشمالا مهما اتخذ له من احتياطات غربية.. أما شرقيا فيبقى هذا الإرهاب المتوحش صنيعة إسلامية مغشوشة… على المسلمين وأده، وختم محلاته بالشمع الأحمر وإلا فإنه الطوفان. فسفينة نوح. وعود على بدء!.. فإذا كانت «داعش» التي تدق أبواب بغداد الآن قد أصدرت خارطتها السوداء طويلة عريضة فلا شيء يمنعها غدا من تغيير حدود تلك الخارطة والتوسع شرقا وغربا بلا تفريق بين «أصدقاء» وبين «أعداء»… إنها بقعة الزيت التي فشل الجميع -أو كادوا- في فهم مكوناتها وتركيبتها الكيميائية حتى يسهل تنظيفها… مع أن خطرها على المحيط

العالم ماثل أمام أعين الجميع؛ لأن كثيرا من أعين الناظرين مصابة بالحول أو بعمى الألوان
فإلى اليوم ما زال تعريف «الإرهاب» بين دول العالم مائعا… وما زال النظر إلى الإرهابيين يخضع إلى موقع الرائي. وإلى موطن مصلحته فيما يجري ويدور… هناك يسمونه «إرهابا» وهنا يختار له من الأسماء «جهادا».. بل إن من يستخدم لفظة «الإرهاب» في مكان ما يستبدلها فورا وبلا عناء بـ «الجهاد» في مكان آخر غير بعيد عن الأول. برغم أن الممارسات هي بعينها وبرغم أن الاختلاف الوحيد في المشهد هو صور الضحايا وجنسياتهم!.. وفي الأثناء يستعر حريق الغلو والتطرف هنا وهناك. شيعة وسنة… كفارا ومؤمنين. مع ديباجة الزعم بأنها الوسطية والله!.. وفي الأثناء بدأ الحريق باليابس لكنه متجه حتما نحو الأخضر… عندها سيكون الوقت متأخرا جدا على السياسيين المخضرمين شرقا وغربا- لكي ينشروا مذكراتهم للاعتبار… لأن الجميع سيتحول إلى «كباب». ولن يكون هناك قراء

بقلم فيصل البعطوط